حاجته ، يجب أن نعيد النظر في إنتاجنا للمفاهيم فلا يوجد شيء يأتي من العدم ، ويجب أن تكون عندنا الجرأة الكافية لنقد الذات حتّى لا نقبل بالملزوم ثمّ نصبّ جام غضبنا على اللازم أو نرضى بالعلّة ونمجّدها ثم ندعو بالويل والثبور على معلولها .
إنّنا بحاجةٍ إلى برامج توعية ترفع مستوى التفكير ، لا برامج شغلها الشاغل إضافة المعلومات وتخزينها ومراكمتها ، فلم يعد تخزين المعلومات في عصرنا ذا بال أو أهميّة ، بل المهمّ هو امتلاك مفاتيح العلوم والأفكار ، ورفع مستوى الوعي والتفكير ، واكتشاف الآفاق الجديدة الرحبة .
إنّ خطأ بعض برامجنا التوعويّة أنّها ظنّت أنّ حاجتنا الرئيسيّة تكمن في تكريس واقعنا خوفاً من تغيّرات ذات تأثير سلبي ، لأنّ العقل الديني السائد في غالبه يعتمد مبدأ « دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة » ، ولهذا فهو يتنازل ويتخلّى عن عشرات البرامج والمشاريع مهما بدت له الآثار الإيجابيّة فيها ، خوفاً من مفاسد سترافقها ، ولهذا غدا عقلنا الديني عقلًا مكرِّساً لا مغيِّراً .
والخطأ الآخر الذي وقعت فيه برامجنا التوعويّة والتربويّة كان وَهْمَ قيمة المعلومة ، فصار التصوّر أنّ المعلومة هي التي تملك القيمة ، ومن ثمّ كلّما ضاعفنا من معلومات أجيالنا وأكثَرنا من الخزن والتكديس كلّما تطوّر وعينا الديني ، إنّ المعلومة اليوم ليست هي الأصل ، وإنما الأفق الرحيب والعقل المنفتح الذي يخزن المعلومة نفسها ، فمهما كانت المعلومات قليلةً يمكنها أن تحقّق قدر الحدّ الأدنى - على الأقل - من الإنتاجيّة عندما يكون العقل ناضجاً ، ومهما كانت المعلومات كثيرةً مكدّسةً فلن تكون - غالباً - بقادرةٍ على دفع الواقع إلى الأمام إذا كان العقل الذي يوظّفها ويتداولها ليس بمستوى المرحلة فكريّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً . .
ولهذا أكّدنا على أنّ الخلل في البرامج التوعوية والتربويّة هو ما أدّى إلى تنامي هذه التيّارات واكتساحها - في بعض الأحيان وبعض الأماكن - عقول الشباب المؤمن الصاعد ، فالإصلاح يجب أن يبدأ من الذات ومن العقل نفسه ؛
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 215
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢١٥