تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
والكذب والدجل المتعمّد من جانب آخرين ، والتوهّم والخيال الزائد من جانب فريق ثالث . . ذلك كلّه يساعد اليوم أيضاً على خلق نتوءات في المجتمع تربكه ، وتعيد فيه معالم النكوص ، ومظاهر عصر الانحطاط ، ذلك كلّه بحجة أنّ العقل لا شأن له بهذا العالم ، وأن الفقهاء وعلماء الشريعة وأصحاب الاختصاصات الإنسانية والطبيعيّة سطحيّون ظاهريّون لم يطعموا من لذيذ العرفان شيئاً ؛ فلا يحقّ لهم الحديث أو حتّى النبس ببنت شفة . إنّ هذا الواقع المضطرب الذي تعزّزه إخفاقات سياسية ما ، أو نكسات اجتماعية ، أو فشل تجارب إحيائية عديدة أو . . لا يسمح بآليات مفتوحة لأفكار من هذا النوع أو تعاطي ، ولا يعني كلامنا ضوءاً أخضر لممارسة قمع لهذه الحركات ، فإن القمع في مثلها لا ينتج ، بقدر ما يكون المطلوب عملية توعويّة تربوية واسعة ترفع مستوى العقل والتفكير على مختلف الصعد ، وما لم يحصل هذا الأمر نبقى قلقين من هذه المظاهر بهذا المعنى للقلق ما يجعل الآليات التربوية في هذا الموضوع على درجة خاصّة من الحساسية والدقّة . وإنّما نشير إلى موضوع القمع ، لأنّ التاريخ والحاضر يشهدان على استخدامه ضد أفراد من هذا النوع ، بتهمة البدعة أو الكفر أو . . إنّ هذه السياسة التي يتّبعها بعضهم اليوم لن تجدي نفعاً ، بل ستُحدث ردّات فعل قاسية وربما غير متوقّعة ، إنّ هذا التيار الذي نختلف معه ونختلف مع قمعه أيضاً ، له الحريّة في طرح أفكاره مهما بدت لنا سخيفةً ضحلةً عبثيّة ، وإذا كانت هذه الأفكار تأكل الناس وتلتهمهم فذلك لأنّ مجتمعاتنا - مع الأسف - غير محصّنة من جهة ، ولا مرشّدة من جهة أخرى على الصعيدين الفكري والثقافي ، وهي المسؤوليّة التي قصّرنا نحن فيها ، فلا يجوز لنا التعويض عن تقصيرنا بقمع غيرنا ، فهذا هو قَدَرُنَا ما دمنا مقصّرين عن نشر ثقافة الوعي والإبداع والحريّة والبصيرة . لا يمكن لك أن تعترض على اندلاع النيران في بساتينك إذا كنت أنت نفسك من قصّر في إطفاء النار التي أشعلها في تلك البساتين لأكله أو قضاء