والكذب والدجل المتعمّد من جانب آخرين ، والتوهّم والخيال الزائد من جانب فريق ثالث . . ذلك كلّه يساعد اليوم أيضاً على خلق نتوءات في المجتمع تربكه ، وتعيد فيه معالم النكوص ، ومظاهر عصر الانحطاط ، ذلك كلّه بحجة أنّ العقل لا شأن له بهذا العالم ، وأن الفقهاء وعلماء الشريعة وأصحاب الاختصاصات الإنسانية والطبيعيّة سطحيّون ظاهريّون لم يطعموا من لذيذ العرفان شيئاً ؛ فلا يحقّ لهم الحديث أو حتّى النبس ببنت شفة .
إنّ هذا الواقع المضطرب الذي تعزّزه إخفاقات سياسية ما ، أو نكسات اجتماعية ، أو فشل تجارب إحيائية عديدة أو . . لا يسمح بآليات مفتوحة لأفكار من هذا النوع أو تعاطي ، ولا يعني كلامنا ضوءاً أخضر لممارسة قمع لهذه الحركات ، فإن القمع في مثلها لا ينتج ، بقدر ما يكون المطلوب عملية توعويّة تربوية واسعة ترفع مستوى العقل والتفكير على مختلف الصعد ، وما لم يحصل هذا الأمر نبقى قلقين من هذه المظاهر بهذا المعنى للقلق ما يجعل الآليات التربوية في هذا الموضوع على درجة خاصّة من الحساسية والدقّة .
وإنّما نشير إلى موضوع القمع ، لأنّ التاريخ والحاضر يشهدان على استخدامه ضد أفراد من هذا النوع ، بتهمة البدعة أو الكفر أو . . إنّ هذه السياسة التي يتّبعها بعضهم اليوم لن تجدي نفعاً ، بل ستُحدث ردّات فعل قاسية وربما غير متوقّعة ، إنّ هذا التيار الذي نختلف معه ونختلف مع قمعه أيضاً ، له الحريّة في طرح أفكاره مهما بدت لنا سخيفةً ضحلةً عبثيّة ، وإذا كانت هذه الأفكار تأكل الناس وتلتهمهم فذلك لأنّ مجتمعاتنا - مع الأسف - غير محصّنة من جهة ، ولا مرشّدة من جهة أخرى على الصعيدين الفكري والثقافي ، وهي المسؤوليّة التي قصّرنا نحن فيها ، فلا يجوز لنا التعويض عن تقصيرنا بقمع غيرنا ، فهذا هو قَدَرُنَا ما دمنا مقصّرين عن نشر ثقافة الوعي والإبداع والحريّة والبصيرة .
لا يمكن لك أن تعترض على اندلاع النيران في بساتينك إذا كنت أنت نفسك من قصّر في إطفاء النار التي أشعلها في تلك البساتين لأكله أو قضاء
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 214
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢١٤