العرفان وإشكاليّات الواقع
ومن الممكن أن يقال : لماذا هذا التحفّظ عند البعض على ترويج ثقافة العرفان ؟ وما هو المحذور في ذلك ؟ فلنروّج هذه الثقافة ، ومن كان أهلًا أعانته ، ومن لم يكن كذلك لم تضره ، تماماً كعامّة العلوم الأخرى .
وهذه الفكرة صحيحة ، وليس ما يمنع منها ، إلا أن التجارب عبر الزمن أنتجت في هذا المضمار عيّنات مقلقة ، حتى باعتراف أهل العرفان أنفسهم ، واستخدام العرفان وسائل للعيش أحياناً ، وللشعوذة والهرطقة أحياناً أخرى ، لتعمّ بين الفينة والأخرى شطحات هنا وهناك أربكت الواقع ، وجعلت الشطحة الصوفية هي الأصل لا الاستثناء .
لكن هذا لا يعني التجنّي على العرفان ، ووصفه بأنّه خلّاق مشكلات ، فالفقه نفسه أيضاً أدّى إلى هكذا ظواهر ، وظهر عبر الزمن متفقّهة تلبّسوا لباس العلماء الكبار وتسنّموا مناصب الفقاهة والمرجعية ، وخلقوا مشكلات في الواقع لطالما أربكته إرباكاً شديداً ، فلكلّ علم سلبياته ، ولكلّ علم شريحة من أبنائه تمثّل صورته المتطرّفة البشعة التي لا يجدر بنا أن نحمّلها روح العلم وكينونته الجوهرية .
لكن العلم - كل علم - ونعني به المؤسّسة العلمية ، مطالب بوضع برامج تعليمية واضحة ومنظمة للحدّ قدر الإمكان من ظهور أشكال معوجّة تختلط عليها الأمور وتلتبس ، أو تسيء - ربما - استخدام العلم لمصالح ، وهذا ما تطالب به - إلى جانب العرفان - عامّة العلوم الإسلامية ، كالفقه والأصول والتفسير والحديث والفلسفة والأخلاق . .
لكن ما يميّز العرفان ، على صعيد الأشكال غير السليمة التي تظهر لدى كلّ جماعة علميّة ، هو العجز العام عن التقييم ، إن علوماً كالفقه مثلًا أو الفلسفة يُمكن اختبار أصحابها بالعودة إلى نتاجهم العلمي المدوّن ، فيرتسم إلى حدّ ما مقامهم العلمي ومستواهم المعرفي ، أما العرفان فبابه مفتوح على الصعيد العام ، يمكن فيه لأيّ إنسان أن يدّعي شيئاً ما دام غير مطالبٍ بدليل