ولكنّ الاستفهام المستدعى هنا ، قد يتّسع ليتساءل : هل من الصحيح ، أو فلنقل : هل من المطلوب إشاعة الثقافة العرفانية بتحويل العرفان إلى مادّة دينيّة يروّج لها باستمرار ، أم أن العرفان وطريقه أمرٌ باطني يتم الانضمام إليه بوسائل غير مرئية ، ومن ثم فليس هناك دعوة في العرفان إلى الترويج ؛ لأن العرفان ليس فقهاً يراد للجميع السير في إطاره ، وإنما هو - كما يقال - نصيب الخاصّة من الناس ؟
هل أن نشر العرفان النظري بدافع جذب الناس إلى العرفان العملي ، واستخدام وسائل الاتصال الجماهيري لتحقيقه أمرٌ مرغوب فيه أو عنه ؟
سؤال يبدو أن حوله انقساماً ، ففريق يرى الصلاح في ذلك ، ويؤكّد حتى على تحويل العرفان إلى مادّة درسيّة في المعاهد والحوزات والجامعات الدينية ، مادّة يراد منها جذب دارسها إليها ، وليس التعرّف عليها تعرّفاً على ظاهرة فحسب ، مما كنّا قد وافقنا عليه سابقاً .
أما الفريق الآخر ، فيرى أن العرفان سبيل عملي ، وأن هذا السلوك ليس من أمرٍ بنشره أو ترويجه ، لا بل إن العرفان قائم على فكرة « الخاصّة » التي توحي في بعض مداليلها بجانب القلّة مقابل كثرة عارمة لا تنضوي تحت هذا اللواء أصلًا .
وفي إطار تقييم أوّلي جداً ، يبدو أنه يمكن الجمع بين وجهتي النظر هاتين حتى مرحلة معينة ، فإذا تبنّينا العرفان واقتنعنا به ، وأوضحنا لأنفسنا الفرق بينه وبين الأخلاق وتهذيب النفس و . . وما يسمّيه الغزّالي في الإحياء : « علم المعاملة » « 1 » ، خصوصاً فيما يرجع إلى الفضائل والرذائل ، فإنّ الظاهر أن
هامش
( 1 ) يقسّم الغزّالي علم الآخرة إلى علم المكاشفة ، وهو علم الباطن ، وذلك غاية العلوم ، والثاني هو علم المعاملة ، ويرى كتابَه « إحياء علوم الدين » موضوعاً لعلم المعاملة ، الذي لا يماهي العرفان الذي هو علم المكاشفة ، انظر : إحياء علوم الدين 1 : 31 - 32 ، وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا