ترويج الأخلاق وتربية النفس وتهذيبها أمرٌ مطلوب ، بل : « إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق » « 1 » ، وأما إذا ركّزنا نظرنا على العرفان النظري ومفاهيمه من الفناء ، والبقاء ، والصحو ، والمحو ، ووحدة الشهود و . . وكنا هادفين نشر العرفان بوصفه قيماً متعالية ، فإن ترويج هذه الثقافة عبر أدوات الاتصال الجماهيري ، يشبه وضع الشيء في غير موضعه ، ذلك أن من شروط هذا السير تصفية الباطن ، مما يعني أن نشر ثقافة الدرس العرفاني ، دون حصول هذه المقدّمات الروحية في الدارس نفسه ، أمرٌ يتناقض والهدف نفسه ، ولذلك يتحوّل الدارس إلى دارس للعرفان حقيقي عندما يطوي تلك المراحل ويعبرها ، وإلا فإن كلّ الصور التي تقدّم له حول الفناء والصحو و . . لن تكون سوى مصطلحات غير مفهومة المعنى وإنما مُدْرَكَةِ المصطلحِ فقط ، كمن يرجع إلى كتاب عبد الرزاق الكاشاني ( 735 أو 736 ه - ) « اصطلاحات الصوفية » ، ويقرأ فيه معاني الكلمات التي يستخدمها أهل التصوّف ، فهل يصحّ البداية مع الطالب - أيّ طالب - من النهاية ، أم أن المطلوب هو الشروع معه من البدايات ؟ وماذا يفيده العرفان النظري حينئذٍ ؟
هامش
التمييز بين علوم الأخلاق وتهذيب النفس وبين علوم العرفان والكشف لم يرسخ بعدُ في أذهان الكثيرين ، فظنّوا أنّ كلّ من عُرف بتعليم الأخلاق أو حسنها وقام الليل وصام النهار و . . فهو عارف ، والحال أنّ الكثير من هؤلاء كانوا خصوماً للصوفية أو العرفان ومناهجهما أو محايدين على الأقلّ ، من أمثال الحرّ العاملي في رسالة الاثني عشرية ، والشهيد الثاني صاحب منية المريد و . . وعلى أساس هذا الخلط الموجود في الذهن الجماعي قدّمنا محاولة المصالحة المذكورة في المتن أعلاه .
( 1 ) وردت هذه الرواية بهذا التعبير في مستدرك وسائل الشيعة ، للمحدّث النوري 11 : 187 ، ح : 12701 ؛ كما جاءت بعبارة : إنما بعثت لأتمّم صالح الأخلاق ، في مصادر أخرى ، مثل : مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، لنور الدين الهيثمي 9 : 15 .