تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
وإذا كانت البدايات ليس تعلّم الشريعة وأخلاقيّات الاجتماع وتهذيب النفس ، وإنما تمثّلها في الذات والسلوك ، فهذا يعني أن الانتقال في الدرس - الذي يراد منه تحقيق درجة عرفانية لا معطى نظري بحت كما أسلفنا - يغدو خطأ قبل إكمال الطالب المراحل المتقدّمة عملياً بالالتزام إلى أقصى الحدود بالشريعة ، وتهذيب النفس بالأخلاق الكريمة ، سيما أخلاقيّات الروح ، كتجنّب الحسد والحقد والرياء والعجب والغرور و . . تماماً على الطريقة التي جاءت بها الرواية عن كيفيّة تعلّم صحابة الرسول رضي الله عنهم للقرآن الكريم ، حيث لم يكونوا ليشرعوا في مقطعٍ آخر من الآيات قبل امتثال المقطع الأول وتطبيقه حيّاً في حياتهم « 1 » . وهذه المعطيات ، تنتج تلقائياً ، قنوات خاصّة على صعيد الدرس العرفاني ، ومن ثم يكون نشر العرفان أمراً مطلوباً لمن يؤمن بهذا الطريق ، ولكن نشراً يتمّ عبر القنوات الصحيحة التي توصل إلى الأهداف المرجوّة ، وهو أمرٌ لا يتم - كما أشرنا - إلا بعملية نشر منظّمة لقيم الشريعة والأخلاق مع تطعيم ذلك بإشارات بين الفينة والأخرى تهيء الدارس لما هو أرقى ، فبهذه الطريقة تتمّ عملية نشر العرفان العملي ، الذي هو المقصد الأخير لذلك الفريق الذي يروّج للعرفان النظري . وبهذه الطريقة أيضاً ، ربما نجمع إلى حدّ ما بين الرؤيتين ، نحافظ على مبدأ الترويج للعرفان ، وفي الوقت عينه استخدام أساليب منطقية تناسب تركيبة العرفان نفسه وفق ما يقوله أهله .
هامش
( 1 ) هذا ما قد يمكن فهمه من بعض النصوص الروائية ، راجع كتاب السنن الكبرى ، لأبي بكر البيهقي 3 : 119 - 120 ، سيما الرواية الأولى ، ويمكن حمل هذه الروايات على فهم القرآن لا على العمل به ؛ فراجع .