تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
الحصول على تصوّرات عقلية لظواهر غير عقلية كما يقول أصحابها ، فليس ذلك بالأمر السلبي أو المحال ، فبالإمكان خلق مفردات ونحت مصطلحات وابتكار سياقات لفظية للتعبير عن حالات روحية عميقة ، وهو أمرٌ يتصاعد في عسره كلّما تعمّق الإحساس وغاص في دهاليز الروح ، وهو إن دلّ فإنّما يدل على نضوج عقلي وثراء لفظي و . . وهذا العرفان النظري ، يخضع‌هو الآخر - لنظام التعليم ونقل الأفكار وانتقالها طبيعةً ، ومن ثم فأحد أهداف هذا العرفان هو تكوين تصوّرات نظرية عقلية عن تجارب روحية ، تماثل الدور الذي يلعبه علم النفس أحياناً . لكن السؤال البارز هنا ، والذي كان محطّ خلاف بين المشتغلين بالعرفان ، هو هل أن جذب السالك إلى هذا الطريق يكون عبر خلق تصوّرات نظريّة عن التجربة ، أم أن ذلك لا يتمّ إلا بأسلوب عملي ربما يكون قائماً على ممارسات طقسية وذكرية و . . أو على أنواع تربوية تهذّب النفس وتصفّيها ؟ والإشكاليّة التي تبدو قائمةً هي : كيف يراد ولوج طريق يقال : إنه قائم على اللامعقول - بحسب التعبير الشائع اليوم - عبر مداخل عقلانية ؟ وهل تقديم صورة نظريّة عن تجربة متعالية لعارف أو عرفاء كفيل برسم خارطة طريق للسير في هذا الدرب ، بعيداً عن إيجابيّاته على الصعيد المعرفي العام كما أشرنا من قبل ؟ أي هل أنّ العرفان النظري سبيل العرفان العملي حتى يكون الشروع فيه على نحو المقدّمة له أم لا ؟ وهذا لا يعني فقدان هذا الدرس العرفاني التعليمي جدواه بالمطلق ، وإنما يعني أن الركن الركين الذي تقوم عليه تجربة من هذا النوع هو الجذب العملي والبدء ميدانياً بما يقال : إنه مقدّمات لهذا السلوك ، وإلا فإغراق السالك - أو من يطلب أن يكون سالكاً - بموضوعات العرفان النظري ، هو في الحقيقة تلبيس للأمر ، ومحاولة فرض تأثير لخارطة معيّنة من الأحداث عليه ، ربما يقع فريستها في اللاوعي فيما بعد ، إذا أردنا أن نتكلّم من منطلق محايد .