تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
العرفانية والروحية تمثّل صنيعة للبناءات المفهومية فهذا معناه ارتهان العرفان للعقل في نهاية المطاف ، ولو بدرجة معيّنة ، وإذا اختلفنا مع وجهة النظر هذه بالقول : إن البناءات المفهومية المسبقة للعارف لا تغيّر من واقع التجربة شيئاً بقدر ما تكون مساهماً أساسياً في صياغة التجربة صياغة عقلانية ، أي في مرحلة النطق بالتجربة ، فهذا معناه أنّ الدراسات المقارنة ستكشف لنا عن خيوط الاتصال التي تربط التجارب كلّها بمعزل عن لغتها ، بل سيساعد العارف نفسه على تكوين لغة عرفانية له تقترب من خيوط الاتصال التي عرفها مسبقاً بالدراسات المقارنة ، مما قد يوحّد الظاهرة العرفانية أو يقاربها في مستوى اللغة والتعبير .

العرفان ونظريّتي التربية والتعليم

وإذا نجحنا في وضع آليات قراءة عقلانية للعرفان القائم على اللامعقول في روحه كظاهرة ذاتية ، وإن أنتج معقولًا كما أشرنا ، فإن دراسة العرفان - بوصفه مادّة علميّة - ستغدو أمراً ممكناً ؛ لأن المفردات التي تلتئم منها تصوّراتنا عن العرفان هي مفردات معقولة ، يمكن للعقل أن يدركها ، لا بل إنه هو من ابتدعها وأنشأها ، وهذا معناه أن هذا النوع من قراءة العرفان ، هو درس نظري له قائم على فكرة التعليم ، ومن ثم هناك ما يبرّر جعله مادّة دراسيّة تخضع لأساليب وطرق النقل والانتقال العلميّين ، وهذا يعني أنه - في مستواه هذا - ليس أمراً تربويّاً ، بمعنى أنه مجموعة أفكار منظّمة ، لا معنى لجعلها تربيةً في واقعها ، وإن شكّلت تصوّرات قد تهيء للقيام بتربيةٍ ما . وهذا العرفان المدروس ، ربما تختلف مفرداته ، فيتم توظيف المفاهيم والأفكار لكي تشرح - بتفصيل أو بإجمال - سير العارف العملي في أعماق الأنفس والآفاق ، وهو ما يسمّى بالعرفان النظري ، الذي يمثل محيي الدين بن عربي عماده وركنه . وإذا استهدفنا من العرفان النظري هذا - دراسةً وتدويناً وتعليماً -