تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
ساد عصر ابن عربي وعصر الحداثة مع أتو « 1 » . إن هذه الدراسات المقارنة تُبعد شبح الدوغمائية عن التصوّرات التي نحملها إزاء مدرسة العرفان ، وتجعلنا نطل أكثر فأكثر على الخصائص والميزات التي يتمتّع بها العرفان الإسلامي ، إن في نقاط ضعفه أو في نقاط قوّته . إنّ غياب هذه القراءات المقارنة يؤدّي إلى رؤى مجتزءة عن الظاهرة العرفانية ، بل - أحياناً - رؤى مؤدلجة مسقَطة من فوق ، وهذا ما حصل فعلًا في أكثر من واقع ومجال ، فقد تحوّل الدرس العرفاني إلى درس مؤطّر محصور بدوائر دينية خاصّة أو مذهبيّة كذلك ، مما أحدث قطيعة بين تيارات العرفان الإنسانية ، لا بل اتسع خرق هذه القطيعة حتى شملت المدارس العرفانية داخل الدين الواحد أو حتّى داخل المذهب الواحد ، فغدت المدارس العرفانية متنافرة متصارعة ، بدل أن تكمل الواحدة منها الأخرى . ولا نقصد أنّ العرفان لا اختلاف فيه ، بل نروم روحاً عرفانيةً تتجاوز القضايا الخبرية الدينية دون أن تهملها ؛ لتؤكّد - بشكل أكبر - على روح التجربة القلبيّة فتثري المخزون الروحي في حياة البشر ، وتكون صمّام أمان في مثل عصر الحداثة وما بعده من عصور جمود الروح ، وانجماد القلب ، وحاكميّة المادّة . إنّ مراجعة المكتبة الإسلاميّة تدلّنا على وجود نقص كبير في الدراسات المقارنة على الصعيد العرفاني بأوسع معاني المقارنة ، ولعل السبب في ذلك يعود إلى حداثة تجربة قراءة العرفان والتصوّف قراءة ظاهراتية وصفية تحليلية ، سيما على صعيد البُنية المعرفية ، إننا نلاحظ شحّاً في هذا الدرس الهام ،
هامش
( 1 ) انظر الدكتور علي شيرواني ، الأسس النظرية للتجربة الدينية ، قراءة نقدية مقارنة لآراء ابن عربي ورودلف أتو : 341 - 402 ، ولا سيما القسم الثالث .