تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
والعرفان من هذه الزاوية ، فحيث إن الفلسفة علم عقلي إنساني ، لا معنى من حيث طبيعة بنيته لإسلاميّته أو مسيحيّته من زاوية معيارية لا توصيفية وتاريخية ؛ لأنه أسبق العلوم رتبةً كما قالوا ، مما يعني أنه يسبق ديانةً خاصة أو قوميةً معينة أو جماعةً ما ، الأمر الذي يضعه في خانة تقع على تماسّ مع الجميع ، كذلك العرفان ظاهرة إنسانية روحية أصيلة ، لا تحتكرها جماعة أو فئة ، وهي من ثم ذات بعد كلّياني شمولي إنساني عام ، مع فارق - على بعض الآراء - أن الفلسفة لا ترتكز سوى على بديهيّات العقل وأولياته ، الأمر المشترك ما بين البشر كافّة ، أما العرفان فتلعب التصديقات الدينية القبلية دوراً فيه « 1 » ، إلا أنه مع ذلك لا يغدو هذا الدور سوى قالب في غالبه مفهومي ، أما روح الحالة والتجربة فهي أمرٌ واحد ، يمتاز بالتشكيك والرتبيّة . فإذا صحّت هذه المقولة مع اختلاف الشدّة والضعف ، فإن هذا يعني - إلى جانب الواقع القائم - ضرورة الحديث عن عرفان يتخطّى الدائرة هذه أو تلك ، وهو ما يجعل من الدراسات المقارنة حاجة أساسية لفهم ظاهرة العرفان نفسها فهماً عميقاً وجادّاً من الزاوية العقلانية . إن مقارنة عرفان يوحنّا إيكهارت ( 1327 م ) أو رودلف أتو ( 1937 م ) مع عرفان ابن عربي ( 638 ه - ) أو ابن الفارض ( 632 ه - ) ، ليبدو هاماً لفهم الظاهرة العرفانية في أوسع أطرها ، وهو ما يساعد على تفهّم الحقائق ذات الصلة بالبعد المفهومي نتيجة عنصري الزمان والمكان المحيطين بالعارف ، وتلك التي على علاقة بنفس التجربة العرفانية . فمثلًا عرفان ابن عربي عرفان وجودي ، فيه نظرية وجودية متكاملة ، أما عرفان رودلف أتو فليس كذلك ، وهو أمرٌ على صلة بالمناخ الفكري العام الذي
هامش
( 1 ) الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي ، محاضرات في الأيديولوجية المقارنة : 24 ؛ وله أيضاً المنهج الجديد 1 : 127 .