مستوعب من جانب السالك نفسه ، لأنّ المفروض أن خبراته العلمية والعقلانية غير قادرة على البتّ في قضايا الروح ، ما دام العرفاء يؤكّدون على وجود حجب وسُتُر بين العقل والماورائيات المختصّة بالشهود القلبي ، ومن ثمّ يغدو السالك جاهلًا بما يميّز له هذا الأستاذ عن ذاك ، وإن كانت هناك مؤشرات يمكنها أن تضيّق عنده مساحة هذا التردّد ، كما فيما يقوله بعضهم من ضرورة أن لا يكون الأستاذ في حياته العملية مثلًا مخالفاً للشريعة .
وإذا دخل السالك مملكة أستاذ من الأساتذة بهذا النحو من الدخول فإن أحد اللاعبين الرئيسيّين في انتقائه وفي سيره في درب أستاذه هو الكاريزما التي يتحلّى بها الأستاذ ، وهذا معناه أن خارطة مسقطة من الأعلى سوف تنزل للسالك حقيقةً مطلقةً تلزمه السير وفقها ، ما يعني أن نتائجه العرفانية لن يكون هناك دائماً ميزان لتقويمها ما دامت تنتج بعد ذلك يقيناً ذاتياً ؛ لأنّ المفروض عجز العقل الإنساني عن الحكم عليها من الزاوية الموضوعية كما أسلفنا ، وهذا معناه أن ثغرةً ستبقى موجودة في البناء التربوي ، ما لم تعط الحرية للسالك في بداية الطريق ، أو يغدو من النضج بحيث يقدر فيما بعد على كشف الأوهام أو الالتباسات الشيطانية التي سقط فيها نتيجة أمرٍ ما .
إن العلوم البشرية العقلية ونحوها ، يوجد ما يرشد العالم إلى معيار يزنها بها ، كما هي الحال في العلوم الرياضية والطبيعية والفلسفية الوجوديّة ، ما يفسح المجال للدارس بإعادة تقييم ما تلقّاه من قبل ، بيد أن هذا المعيار غير واضح في المناخ العرفاني ما دامت الذاتية في اليقين ، والتي يسمّيها المنطق العرفاني بالشهود والعلم الحضوري ، هي الحكم ، لا المعايير الموضوعية التي يراها العقل ، إن التداول الواسع للنشاط العقلي يجعل مرجعيّة العقل أقرب إلى الواقعية ، وإنّ كون العرفان حالةً غير عامّة - كما يقول العلامة الطباطبائي « 1 »
هامش
( 1 ) العلامة الطباطبائي ، مجموعة مقالات 1 : 39 .