تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
حتى يخرج بتصوّرات عقلانيّة ؛ لأنّ المعرفة العقلية الموضوعية لشيءٍ ما رهينة بعلاقات الواقع الخارجي مع بعضه البعض ، وليست رهينةً بالمعطيات الذهنية الذاتية فحسب كما تؤكّده الدراسات الفلسفية ، وهذا معناه أن اليقين الذاتي الذي بلغه العارف لا يمكنه أن يسعف العارف نفسه عندما يريد قراءة الحدث من زاوية عقلية ، بل لابدّ له من يقين موضوعي يربط الوقائع مع بعضها . والفارق بين اليقين الذاتي واليقين الموضوعي - كما يشرحه السيد الصدر ( 1400 ه - ) في الأسس المنطقية للاستقراء « 1 » - أنّ اليقين الذاتي غير رهين لعلاقات الواقع القائمة بل هو نتاج لتفاعلات داخلية إنسانية وسيكولوجية نفسية مهما كانت المعطيات الموضوعية القادمة من الخارج ، أما اليقين الموضوعي فهو ذاك اليقين الذي لا يتكوّن إلا نتيجة معطيات متبادلة من الخارج ، أي أنّه يقين قائم على الملازمات الخارجية لا الذاتيّة الداخلية ، وهو اليقين الذي طالما قصده المذهب الفلسفي العقلي . وحصيلة ما نريد قوله : إن بلوغ العارف اليقين الذاتي حقّ طبيعي له ، يمكنه على ضوئه أن يبتّ ويحكم ، إلا أنّ قراءته هو نفسه لمعطيات هذا اليقين من زاوية عقلية لا تعرف سوى اليقين الموضوعي ، تبدو عِسَرةً تواجه عقبات لابدّ من حلّها لتكوين تصوّر عقلاني عن الظاهرة العرفانية . وحتى لو افترضنا ، أن اليقين نتاج عنصر ذاتي لا موضوعي ، فإن السؤال يبقى مفتوحاً على صعيد القراءة العقلانية للتجربة ، ومن ثم ، فإن الخارجين عن التجربة نفسها غير قادرين على التثبّت من جدواها ما لم تقم أدلّة فلسفية محكمة عليها ، الأمر الذي سيجعل المعيار المعرفي عقلياً من جديد ، كما يؤكّده الشيخ محمّد تقي مصباح اليزدي « 2 » ، ومن ثمّ لا يكون قول العارف حجةً
هامش
( 1 ) الأسس المنطقية للاستقراء : 322 - 327 . ( 2 ) الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي ، محاضرات في الأيديولوجية المقارنة : 24 ؛ وله أيضاً : المنهج الجديد في تعليم الفلسفة 1 : 125 .