تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
محاولة للبرهنة - فلسفياً - على المعطى العرفاني المنكشف قلبياً وروحياً ، وبهذا تمّت عقلنة العرفان في نتائجه ، أي أخضعت تلك النتائج لأدوات التشريح العقليّة والفلسفية ، لينكشف البُعد الصادق فيها ، ويتمّ التأكّد من جدواها عقلياً . وإذا كان اتجاه عقلنة العرفان بهذا المعنى ، قد بدأ منذ قرون ، فإن ثمّة حاجة شديدة ثانية لعقلنة العرفان من الزاوية المعرفية ، فليست الحاجة فقط أن نستلّ من تجارب العرفاء معطيات هي في روحها وجوديّة ، لكي نقوم بصوغها فلسفياً ضمن منظومات من التصوّرات المعقولة والمفاهيم العقلانية ، بل إنّ الأمر يتعدّى ذلك إلى دراسة الظاهرة العرفانية نفسها بوصفها منهجاً وأسلوباً ، بغية التحقّق من جدوى الاعتماد عليها أداةً لكشف الواقع وإدراك الحقيقة بنوعٍ من أنواع الإدراك ، إن مجرّد تحويل المعطى / النتيجة إلى مفهوم عقلاني قابل للبرهنة عليه فلسفياً ، لا يبرّر - دائماً - صحّة المنهج الذي قدّم لنا هذا المعطى ، خصوصاً وأن هناك خلافاً واسعاً في عدد كبير من المعطيات العرفانيّة ، ومن ثم ، كان من المطلوب قراءة المنهج العرفاني نفسه قراءة نقديّة صارمة ، لمعرفة مدى المماهاة التي يملكها هذا المنهج مع الحقيقة ، إذا أردنا أن نحدّد المنهج قبل الشروع في العمل على الطريقة الديكارتية . وبذلك ، ينفتح الحديث عن قدرة القلب على اكتشاف الواقع ، وكيف يدرك العارف الواقع الخارجي ؟ وما معنى العلم الحضوري هنا ؟ وكيف نتصوّره ؟ ولا يهمّ هنا سرد صور فنيّة وأدبيّة جمالية لتفسير الظواهر العرفانيّة كما هي مشكلة البعض ، بل المهمّ وضع النقاط على الحروف وتقديم صور واقعية ذات طابع وصفي وَرَقمي تحملها لغة علميّة صارمة تجلي أجزاء الصورة وتميّزها عن غيرها بكلّ وضوح ، دون أن نعيش سوريالية العلم نفسه وخياليّته . وتستدعي هذه الأسئلة استفهاماً آخر يدور حول : هل العارف ممّن يلتبس عليه الأمر ، فيحسب عمليّاته العقلية شهوداً ، وليست سوى تفجّر العقل الباطن واللاوعي في شكل غريب ؟