أليس من الممكن أن يكون الحسّ المرهف للعارف والروح الأدبية الرقيقة عنده هما من أشعراه بأن نتائجه الفكرية اتخذت منحى شهودياً ، تماماً كالأديب الذي يرى الطبيعة رؤيةً جمالية فيلبس نظّارات ملوّنة تضفي على قراءته للطبيعة لوناً آخر فيشعر وكأنه يلتمس معطيات من نوع جديد ، وليست سوى الأفكار عينها إذا حلّلناها ؟
إن إثارة التساؤل يؤدّي إلى التشكيك في أساس وجود ظاهرة معرفية قلبيّة ، بالمعنى الذي يرومه العارف ، ومن ثم يغدو الدرس العرفاني ملزماً بشرح البنيات التي تقوم على أساسها ظاهرة معرفية من هذا النوع ، لتميّزها عن المعرفيات العقلية الصرفة و . .
وإذا كان العرفاء ، قد أقرّوا بإمكان التباس الأمر على السالك نتيجة ما يسمّى عندهم بالالتباسات الشيطانيّة ، أو ما يعبّر عنه ابن خلدون ( 808 ه - ) بقوله : « إنّ هذا الكشف لا يكون صحيحاً كاملًا عندهم إلا إذا كان ناشئاً عن الاستقامة » « 1 » ، فإنّ السؤال يغدو أكبر حتى بالنسبة للعارف نفسه ، عندما يستعيد قراءة تجربته بلغة داخلية عقلانية ، إذ أنّى له أن يجزم - موضوعيّاً - بصحّة ما توصّل إليه ، وأنه ليس وهماً أو خيالًا ؟
إن مجرّد رؤية شيء لا يعني وجوده ، لذا فمن الممكن أن يبلغ العارف شهوداً ما دون أن يكون ذلك مؤكّداً من الناحية الموضوعية ، وبعبارة أخرى : إن اليقين الذاتي الذي أحسّ به العارف من أعماق قلبه في تجربته العرفانية ، لا مجال لمناقشته فيه من زاويته الذاتيّة هذه ، إلا أن قراءته من الزاوية الموضوعية التي تتجاوز ذاتيّات الإحساس ، ومن ثم يكون العقل فيها هو الحَكَم ، يغدو مشوباً بشيء من التعقيد والصعوبة ؛ لأنّ العقل قد لا يملك معطيات موضوعية تربط الوقائع ببعضها البعض في الأفق الإحساسي للعارف في تجربته
هامش
( 1 ) عبد الرحمن بن خلدون ، المقدّمة : 464 .