تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
أما العقل الفلسفي ، فيرى - عادةً - أن الحال في تطوّر ، لأن بناءاته قائمة على المعرفة ، ومرور الزمان يساعد في التراكم المعرفي ، مما يمنح العقل تحسّناً في أموره . لكن على أيّة حال ، تغدو المثالية الماضوية في العقل النصي سبباً أحياناً لرغبة جامحة في الاستنساخ الحرفي ، لهذا نجد نحواً من التماهي مع الماضي حتى في شكلانيات الأمور ، ونمط الحياة ، وأسلوب العيش ، إيماناً صادقاً بأن في ذلك مقاربة للأنموذج الأعلى ، ومن هنا بالضبط تخرج بعض ظواهر السلفية والحرفية أحياناً ، فنجد ركوداً في الحياة ، وجموداً في صورتها ، وخوفاً من التغيير ، وقلقاً من حصول تبدّلات . وعلى العكس من ذلك العقل الفلسفي الذي نجده أحياناً مندفعاً بشره للتغيير ، والتحوّل ، والصيرورة ونحو ذلك ، حتى كأنه ينكر - أحياناً - القديم لقِدَمه ويأخذ بالجديد لجدته ، وكأن قِدَم فكرةٍ يُبطل مفعولها ، أو كأن المفاهيم تبلى - دائماً - جميعها بمرور الأيام . وأرغب في التركيز هنا - في هذا التمهيد - على نقطة حسّاسة ، وهي أن الأمل في استحضار الماضي والعيش في كنفه على الدوام في العقل النصي ، يجعل هذا العقل - أحياناً - يعيش الماضي ويتفاعل معه ، ويحياه بروحه وعقله وقلبه ولسانه ولحمه ودمه ، فقضايا الماضي هي الروح والمصدر ، وما يحصل أحياناً أن يؤدي هذا الاستغراق في العيش إلى حصول تمثل للماضي ؛ فيحيا الإنسان وكأنه في عمق الأحداث الماضية ، مما يثير فيه الغضب تارةً ، والبكاء أخرى ، والمحبة ثالثة ، و . . وهذا ما يساعد على انفعال العقل النصي المتواصل إزاء أحداث الماضي وكأنها تحصل اليوم ، فيرغب في الانتقام ممن أساء في الماضي ، ويحب إكرام من أحسن فيه . وتتطوّر هذه الحالة في بعض الأحايين لتحدث تصادماً في العصر ، وطائفية وخصاماً ، فيما طرفا الخصام اليوم ليس بينهما شيء مثلًا ، إنما الشيء كان بين أطراف الماضي وتياراته .