العقلاني الفلسفي ، والتيار التراثي النصّي ، ولا نعني بالعقلاني سلب العقل عن النصيّة الدينية ، والعياذ بالله ، بل سلب محوريته عنها ، وفرق كبير بين الأمرين .
ولابدّ لنا من رصد أبرز المعالم الفاصلة - منهجياً ومعرفياً فقط - بين هذين التيارين ، كي تتحدّد أمام الإنسان المعالم ليختار سبيله ، على ضوء ما ترشده إليه الأدلّة والحجج بينه وبين الله تعالى ، ولكي ندخل بحوثنا هنا طبقاً لتقسيم العلوم الإسلامية إلى عقلية ونصية .
يسعى العقل الفلسفي لفهم العالم والمعرفة و . . فهماً مباشراً ، بمعنى الانطلاق من المعطيات التي يكوّنها بنفسه للوصول إلى هذا الفهم ، ولهذا نجده معتزاً بجهوده واثقاً من نفسه وقناعاته فاهماً ما توصّل إليه ، أما العقل النصي فلا يسعى لفهم العالم على هذه الطريقة بل عبر وسيط ، وهو النص نفسه ، فهو يجهد لفهم رأي الآخر عبر تحليل نصوص ، أكان هذا الآخر هو الله تعالى أو النبي رضي الله عنهم أو غيرهما ، فالثقة بصاحب النص ( على أساس مفهوم العصمة مثلًا ) ، ولنسمّه ( الناصّ ) هي التي تمنحه الثقة بتصوّراته عن الكون والحياة .
وانطلاقاً من العنصر السابق البالغ الأهمية تنفتح أمام العقل النصي مساحة جديدة من المجهول ؛ لأنك عندما تبني تصوّراتك عن العالم على أساس الثقة هذه ، فهذا يعني أنك مستعدّ لتبنّي تصّورات عن العالم لم تفهمها بمعطياتك الذهنية وإنما حصلت عليها بمعطيات غيرك ، وانطلاقاً من قناعتك بهذا الغير - وهي قناعة لم تنشأ من فراغ بل نشأت من براهين أقمتها تبرّر الوثوق به - صدّقت هذا التصوّر أو ذاك ، دون أن تنتجه بنفسك .
من هنا ، يغدو العلم بمضمون النص ومحتواه ، بمعنى عدم الوصول المباشر إليه ، أساساً في بعض الأحيان لدى العقل النصيّ ، أما العقل الفلسفي فهو على النقيض من ذلك ، إذ بسعيه لتكوين قناعاته من نفسه لا يسمح بالمجال لعدم العلم لصياغة تصوّره عن العالم ، بل هذا التصوّر ينشأ عنده من المعلومات التي عرفها عن العالم ، ولا تساهم المعلومات المجهولة لديه في بناء
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 182
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٨٢