تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
وهكذا الحال مع الاتجاهات الفكرية المعاصرة ، فقد تكون أحياناً أشدّ قسوةً في سخريتها وتقزيمها للطرف الآخر ، وكأن التراث أضحوكة أو مهزلة يمكن تجاوزه ببساطةٍ لأمّة أنتج تراثها حضارةً عريقة ، وكأن نقاط الضعف في الموروث أو وجود بعض الثغرات فيه حجة كافية لتجاوزه بقسوة ، انطلاقاً من مرجعية العقل ، إن هذه الطريقة من التفكير يمكن نقدها حتى وفق الأسس الداخلية للتيار العقلي ، ويمكن إبراز نقاط ضعفها من زاوية معرفية مغايرة لزوايا النص والموروث . من هنا ، ندعو - ويفترض - كلّ طرف من الطرفين ، لا لتجاوز أوّلياته وأوالياته ونمط تفكيره ، بل لممارسة نقد الظواهر المتطرفة الناتجة عن طريقة التفكير التي يتبعها ، فلكل منهج عثرات أو فلنقل : نتائج خاطئة ، تظهر عبر الزمن ، عند أنصاره وموظِّفيه ، لكن بإمكان هذا المنهج ، وبممارسة نقد داخلي هادئ ، إعادة بناء نفسه وتطهيرها من أخطاء تطبيقه هنا أو هناك ، وبذلك نصل إلى الحدّ الأدنى من التقارب أو الحلّ بين نزعتي : العقل والنص . لعلّ في هذه الدعوة الكلمة السواء ، التي تهيء لإعادة تواشج التيارين ، عبر منطلقات معترف بها لديهما معاً ، إن شاء الله تعالى . وعلى أية حال ، فقد استعرضنا في الفصل الأول السابق بعض الخيوط المرتبطة بالمنهج على مستوى التفكير الديني عامةً ، أي بقطع النظر عن هذا العلم أو ذاك ، ولكي نستوعب ما أردناه مطلع هذا الكتاب ، نحاول في الفصل الثاني تناول بعض العلوم الدينية تناولًا منهجياً ، لا لندرس منهج هذا العلم أو ذاك مما لا تسعه هذه الصفحات ، وإنما لنلامس بعض قضايا المنهج هنا أو هناك ، مما نراه دالًا - بدرجةٍ ما - على أزمة المنهج ومعضلته في هذه العلوم . ونعني بأزمة المنهج أحد أمرين : أ - وجود بعض الخلل في مفصلٍ منهجي في هذا المحور من هذا العلم أو ذاك ، بحيث يكون هناك عطب منهجي يحتاج إلى إصلاح . ب - عدم وجود اكتمال منهجي ، بمعنى الحاجة إلى عناصر إضافية