تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
التصوّر ، بل تساهم في نقصانه ، فالعقل النصّي لا ينزعج من هذا اللاعلم ، بل يكمل بناء منظومته المعرفية اعتماداً عل الناصّ ، فيما لا يمكن للعقل الفلسفي ، إكمال البناء دون توصّل مباشر للمعرفة . إذن ، فالعقل النصي يشيد تصوّراته عن العالم في ظلّ مبدأين : أحدهما الثقة بالناصّ وثانيهما : الجانب غير المفهوم ولا المعقلن من العالم ، ولا تضادّ بين هذين المبدأين ، أما العقل الفلسفي فيشيد تصوّراته على مبدأ واحد هو المعلوم الذي توصّل إليه لا غير ، ومن هنا لم يكن للتعبّد والتعبديات مجال عنده ، على خلاف العقل النصي الذي يستسيغ - وبدرجة عالية - مقولة التعبد بقول الغير حتى مع الجهل دون أن يرى في ذلك أية منقصة . واستتباعاً لما سبق ، يغدو اندفاع العقل النصي قائماً على الثقة واللامعقول عنده ، على خلاف العقل الفلسفي الذي يندفع على أساس المعقول والذات ، ولهذا يتراءى من بعيد أن الفكر النصّي فكر غير عقلاني ، ونحن لا نحكم في هذا الموضوع هنا ، لكننا نحلّل هذه الصورة ، إذ سببها ما أشرنا إليه . ونعلم جميعاً أن هذا النص الذي تدور حوله حركة العقل النصي كانت في الزمان والمكان ، وهذه الزمكانية فيه بالنسبة لنا اليوم ماضوية ، بمعنى أن نصّ القرآن مثلًا أو نصّ التوراة نصّ جاء في الماضي ، ولحظة صدوره تعود إلى زمن بعيد . إن الدوران حول النص الديني الصادر في الماضي سيفضي تلقائياً إلى انشداد غير عادي لما مضى ، وحيث يمثل النص الديني الأصلي قمّة التطوّر المعرفي في العقل النصي ، فهذا يعني - غالباً - أنه كلّما تحرّكنا نحو الحاضر كلّما ابتعدنا عن المصدر الأصلي ، وهذا ما يفسح المجال لبناء صورة انحدارية عن الصيرورة التاريخية للإنسانية ، فالأقرب لعصر النص أقرب إلى المثال والأنموذج ، فيما الأبعد على خلافه ، أو لا أقلّ على شكٍ من أمره ، حتى أنك لا تكاد تستطيع القول : إن هذا المتدين المعاصر خيرٌ من ذلك الصحابي ( العادي ) ، وكأن في هذا القول خطأ ، والقرون السالفة هي القرون المفضّلة .