أما العقل الفلسفي ، فقد يفرط أحياناً فيوقع القطيعة مع الماضي ، وينسحب منه ، ويتركه ، فتنبتر أوصال الاستمرارية الحضارية ، وتحصل بعض ظواهر الارتماء في أحضان الآخر الحضاري .
من هذا كلّه نجد الاختلاف الكبير بين نمطي التفكير هذين ، لكن السؤال : ألا يمكن إزالة سلبيات التيارين للحصول على صورة جديدة ؟ هل يمكن الجمع بين العقلين ؟ كيف ؟ هل فرز المساحات وإيلاء كل مساحة لطرف هو الحل ؟ فنقول : تصوّرات العالم للعقل الفلسفي فيما التكاليف والحياة والحقوق للعقل النصي ، كما راجت هذه النزعة كثيراً ؟ هل يصحّ وضع أولويات وتقدّم وتأخر في علاقة العقلين مع بعضهما ؟ وكيف يمكن التوصّل إلى حلّ هنا ؟
ولا نقصد بالحلّ مشروع مصالحة توفيقية على الطريقة السياسية ، يتنازل فيها كل طرف للوصول إلى حلّ دون أن يقوم الحلّ على معطيات معرفية ومنطقية جادة تضمن بمنطقيّتها ديمومتها وسلامتها في الاستمرار والمستقبل ، ولهذا لا نهدف في مشاريع المصالحة هنا حلولًا مؤقتة ، أو عابرة ، بل حلول جذرية تعطي العقل والنص دورهما دون أحكام مسبقة مسقطة سلفاً ، تعيق الإنتاج المعرفيّ الجديد .
لكن مع هذا ، ورغم كلّ الدعوات العلمية لمعالجة هذا الموضوع المشكل والمساهمات الفكرية في هذا المضمار ، إلّا أنه يمكن تناول الإفراط والتفريط في الطرفين معاً ؛ لممارسة نقد مركّز لهما ، أي الإفراط والتفريط ، بغية الحدّ من ظواهرهما التي لا تشرعنها الاتجاهات نفسها ، فأن يغرق طلاب العلوم الدينية في الموروث ، وينظروا بعين الاحتقار لكلّ منتجٍ جديد ، ويتطلّعوا بسخرية لما يرفد الغربُ أو الإنسان المعاصر المعرفة الدينية من معطيات ، وكأن المعاهد الدينية والحوزات العلمية هي الممثل الوحيد وإلى الأبد للمعرفة الدينية ، لا يُحاد عن منتجاتها قيد أنملة مهما تغيّرت المعرفة أو تطوّرت مناهج التفكير . . هذا كلّه إفراط في النصية ومرجعية التراث المتبقي ، يمكن نقده حتى على أساس الموروث نفسه ، أي نقداً داخلياً صامتاً .
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 185
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٨٥