الذي نعتمد عليه في عملية التحييد هذه يمكن - إذا انسجمنا معه حتى النهاية - أن يوسّع من نطاقها لتسيطر فيما بعد فئوية رهيبة ضمن دوائر في غاية الضيق .
والمشكلة الأساس تكمن في أن هذا الموضوع بالخصوص يخلق نوعاً من الطبقية الفكرية ، وهي طبقية تتعامل مع الآخر من منطلق فوقي دائماً تماهياً مع مفاهيم الحقّ والباطل وأمثالها ، والحديث عن هذه الطبقية وعن مبرراتها العقلية والدينية من جهة وسلبياتها من الجهة الأخرى يحتاج إلى مجال أوسع ، ويتصل - فيما يتّصل - بموضوعة التعددية المعرفية بالدرجة الأولى ، مما أسلفنا الحديث عنه سابقاً بايجاز ، وفصلّنا بحثه في كتابنا التعددية الدينية .
5 - العنف الفكري / الاعتدال والوسطية
تعاني الكثير من مجتمعات العالم اليوم من ظاهرة العنف ، وقد كثرت الأفكار والآراء حول هذه الظاهرة ، ودرسها الباحثون من زوايا متعدّدة ، وأحد أنواع العنف هو العنف الفكري .
ليس هناك نظرية على ما يبدو قادرة على ادّعاء نبذ العنف بشكل مطلق ، وليس هناك تيار ينادي بنظرة واحدة إلى العنف ، أي عدم تقسيمه إلى عنف مشروع ومقونن وعنف غير مشروع وغير أخلاقي ولا قانوني ، والإسلام كان واحداً من هذه التيارات والاتجاهات التي قسّمت العنف إلى قسمين ؛ فرفضت بعضه وقبلت بالبعض الآخر ، وهو أمرٌ لا يعنينا فعلًا .
الشيء الذي يعنينا هنا ، مسألة العنف الفكري عند الباحث ، فمن ناحية نفسية وسلوكية هناك أشخاص يفكّرون بطريقة عنيفة ، وهناك بعضٌ آخر يفكر بهدوء وببرودة أعصاب ، وهاتان الشخصيتان قد لا نتمكّن من توجيه رفض شامل لهما ممتدٍ في الزمان والمكان والظرف والحال ؛ لأن التفكير الذي يتسم بنوع من الصخب والعنف والانفعال والإثارة نحوٌ من أنحاء التفكير قد يحتاجه أحياناً شاعرٌ أو سياسي أو زعيم أو عارف أو . . وقد لا يحتاجونه في حالات أخرى ، ومن الخطأ - فيما يبدو - أن يتصور التفكير الممزوج بالإثارة على أنه