تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦

3 - الهدف الأخلاقي للبحث العلمي

غرق علم الكلام الإسلامي - كما أسلفنا - في النزعة الجدالية التي استنزفته ، فيما سعت الفلسفة - وفّقت أو لم توفق - إلى تفادي هذه النزعة بطرحها البرهانية الفلسفية أساساً للنشاط أو الفعالية ، وهذا الفارق ما بين الفلسفة والكلام هو بعينه واحدة من مشكلات البحث العلمي ، إننا نجد أحياناً أن بعض الباحثين لا مشروع لديه سوى النقد سواء كان نقداً لأشخاص أو لتاريخ . . وهو يعمل - ليلًا نهاراً مخلصاً وجاداً - في نشاط النقد هذا ، وهدفه تفنيد هذا الشخص أو ذاك التاريخ ، وهذا النشاط في حدّ نفسه مفيد جداً ؛ لأن العقلية النّقادة عقلية ناضجة بالأساس ولا ينبغي الحيلولة دون وجود هذه العقلية في المجتمع الثقافي ؛ لأنها تمثل أحد ضمانات التوازن المعرفي ، لكن المشكلة التي تحصل تكمن في تحوّل هذه العقلية إلى مشروع شامل لا يقف إلى جنبه مشروع آخر ، فالفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط صاحب - ربما - أشهر مدرسة نقدية في تاريخ الفلسفة لم يكتفِ بنقد العقل ، ومن ثم أبقى الفكر في اللاشيء أو في الفراغ ، وإنما سعى - إلى جانب ذلك - لإيجاد البديل ، ولو وفق وجهة نظره التي يحقّ لمن بعده تأييده عليها أو مخالفته ، أن تملِكنا عقلية نقدية فهذا خطر ، أما أن نملك عقلية نقدية فهذا عين الصواب بل والضرورة ، إن بعض الباحثين المعاصرين لا يستهدف من نقده للتراث غير تفنيده ، وإذا ما فتّشت في كتبه ونتاجاته عن بديل ما ربما يصعب أن تجد شيئاً من هذا القبيل ، وهذه هي نقطة الخطأ ، أن لا يعتاد الباحث - أيّ باحث - على مجرد أن ينقد فحسب . . أن ينقد كل جديد أو فكرة جديدة دون أن تكون له وظيفة أخرى عدا تتبّع كل ما يقال من جانب فلان أو جماعة أو مذهب . . بغية نقده ، أو أن ينقد القديم كلّ قديم بحيث لا همّ له سوى مواصلة الجهد لتنحية هذه المقولة أو تلك . . إلى حدّ يصل الحال أن يقرأ هؤلاء أي كتاب أو مقالة بعقلية يسمّيها الدكتور نصر حامد أبو زيد في كتابه دوائر الخوف « استراتيجية البحث عن
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 166 | حيدر حب الله