ويكاد التعجّب يمتلك الإنسان من اعتقاد البعض بأنّ الناظر الذي لا يبلغ الحقّ مقصّر ، وشاهد ذلك أنّه لو لم يقصّر لبلغه ، إنّ هذه الفكرة ذات صبغة أيديولوجية بحتة ، تتجاوز وقائع الأمور ، لصالح أيديولوجيا مسقطة ، إذ من هو الذي برهن على هذا الأمر ؟ ! وهل كل العقديات يجري عليها هذا القانون ؟ ! وما معنى ارتهان شرعية النظر بصحّة النتائج ؟ ! أليس في ذلك تفريغاً لحرمة التقليد في أصول الدين ؟ ! وهل تحتجب الفطرة لعامل الذنب البشريّ فقط ولا تحجبها ظروفٌ قاهرة على الإنسان كالبيئة والمحيط ؟ ! . . .
إنّ دراسة ظروف الناس من حيث القصور والتقصير أمرٌ لا يرتبط بالنتائج العلميّة التي خرجوا بها بقدر ما يرتبط بأدائهم العملي ونواياهم الداخلية ، بل كيف يمكن رهن الثواب والعقاب بإصابة الحقيقة وعدم إصابتها ، فإن الإصابة أمرٌ غير اختياري في حدّ نفسه فكيف يرهن العقاب بما لا يرجع إلى الاختيار ؟ ! وأمّا التشكيك المستمر في النوايا فهو مشكلة يجب حلّها من جذورها النفسية والعقلية .
وبهذه الضمانة تنطلق الأفكار لتدرس العقديات بحرّية أمينة وصادقة ، لا حرّية منفلتة وعشوائية تبنى على التعسّف والابتسار ، وعبر هذا الطريق يحيا الاجتهاد الكلامي ، وتخفّ وطأة القلق والخوف المانعين عن الإبداع والخلاقية ، وأيضاً تبنى بذلك عقديات برهانية ، لا على الطريق المعتزلية المتشدّدة ، وإنما على طريقة تستوعب إمكانات الإنسان ، إذ لا معنى لمطالبة الباحث اليوم بدراسة جميع الديانات والمِلَل وكافّة البراهين والأدلّة ، فهو أمرٌ لا بالمقدور لشخص واحد ولا بالمستطاع للشعوب ، بل ولا بالمطلوب على مستوى العقل العملي .
ويبقى أن نرسم تصوّراتنا بدقّة جميعاً لا يستثنى من ذلك أحد ، حتّى لا ننتج أفكاراً تقتل مجتمعاتنا أو تسير بها نحو الانحراف التام .
وهكذا تبقى مقولة العقاب الأخروي فاعلةً تربوياً في مجالاتها المنطقيّة ، تبني الروح وتهذّب النفس وتشيد الأخلاق الحميدة .
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 165
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٦٥