اعتراضات .
إنّ هذه الضمانات المؤمّنة من العقاب هي التي أقلعت بحركة الاجتهاد الفقهي ، وشكّلت إحدى صمامات الأمان التي تهيء الظروف لانبعاث حركة الاجتهاد وانطلاقتها ، ولو أنّنا افترضنا أنّ الفقيه سينذر بعقاب لو أخطأ حتّى بعد قيامه بواجباته العلميّة لما وجدنا مثل هذا الحراك الفكري في المجال الفقهي مثلًا .
وما نريد إثارته هو تعميم هذا المنطق على الاجتهاد الكلامي بقسميه القديم والجديد ؛ لأنّ عدم تعميمه سيقتل حركة الفكر الكلامي ، كما هو الحاصل في أكثر من مجال ، وعملية التعميم هذه ليست اعتباطية ، بل ينبغي لها أن تقوم على بناءات فلسفية ومنطقيّة مدروسة ، فنحن لا نريد هنا إبداع مقولات فلسفية من العدم ، بقدر ما نريد تنظيم هذه المقولات التي يتواجد أغلبها بين أظهرنا في ميادين متفرّقة ، ومن ثمّ إعطاؤها دوراً أكبر وأكثر فاعليّة ، إذ ما دام الإنذار بالعقاب على الخطأ الاجتهادي الكلامي ماثلًا أمام الباحث الديني فلا يجدر انتظار الكثير من الإبداع منه .
ولكي نتفهّم الموقف الديني المتحفّظ ، انطلاقاً من أنّ إعطاء ضمانات يعني شرعيّة الأديان والمذاهب كافّة ، أو يعني عبثيّة الديانات الحقّة أو غير ذلك ممّا وجدناه عند جماعة من كبار العلماء والمنظّرين من أمثال الوحيد البهبهاني ( 1205 ه - ) والشيخ عبد الله البحراني وغيرهما ، من الضروري التركيز على الفرق بين مسألة الحقّ والباطل ، ومسألة الثواب والعقاب ، فأن يكون الإنسان معذوراً عند الله تعالى أمرٌ يختلف تمام الاختلاف عن كونه محقّاً أو مهتدياً لا ضالًا سبيل الصواب ، والخلط بين هذين الثنائيّين أدّى ويؤدّي إلى حصول التباس ، فإرسال الرسل ، وبعث النُذُر ، وسنّ الشرائع ، واللطف بالعباد هو - علاوةً على إنجائهم من عذاب الله تعالى . . . - للبلوغ بهم مراقي الكمال ، والأخذ بأيديهم لخير الدنيا والآخرة ، وما هو صلاحهم وكمالهم في هذه الحياة ، وهي أمورٌ تكوينية ، إذ شاء الله تعالى أن لا تجري
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 162
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٦٢