وهي ظاهرة تشلّ حركة الإنسان عن رؤية الحقّ وتجعله أحياناً مصداقاً لقوله تعالى : وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ( المؤمنون : 70 ) ، والرفض القرآني للتقليد وفق هذا الفهم ليس رفضاً جزئياً ، وإنما هو تأسيس لأصالة الفكر والعقلانية ، أو بعبارة أخرى : تأسيس لنوع من أصالة السعي الفردي لكشف الحقيقة والاهتداء إليها ، وهي أصالة لها مداليلها ولها عواقبها ولوازمها التي لابد من الأخذ بأكثرها إن لم نقل بجميعها ؛ كي لا نقع في تناقض ذاتي ، من هنا ، فإن الثقافة القرآنية ثقافة ترفض الآباء الذين يعبرون عن منهج خاطىء وتقبل بالآباء الذين يعبرون عن منهج سليم ، وهذا معناه ضرورة السعي - في المرحلة الأسبق - لتحديد الصحّة والخطأ ، وتبعاً له ، تحديد أن الآباء ما هي طبيعة الموقف منهم ، لا اعتبارهم أساساً لتحديد الباطل والحقّ ، أو الحكم السلبي عليهم أو الإيجابي بصورة مسبقة .
إن اللاتقليد للآباء تعبير آخر عن اللاتقليد للمحيط وللسلف ، وكسرٌ لمركّب السلف والصالح ؛ لإعادة إنتاج ثنائيتين جديدتين هما : السلف الصالح والسلف غير الصالح ، وإذا ابتعدنا عن كلمة صالح حتى ننأى بأنفسنا عن الحمل النفسي والخلقي ، يمكن القول السلف المصيب والسلف غير المصيب ، لا ثنائية واحدة جدلية بين الإصابة والسلفية أو أحادية تبدأ من السلفية وتنتهي بالإصابة .
وما قلناه تعبير آخر عن استبعاد علمي ومدروس للأشخاص عند دراسة الأفكار في مرحلة التقييم النهائي .
لكن هذا الأمر ، لا يعني - كما هو الحاصل لدى البعض - نوعاً من ردّة الفعل إزاء الأشخاص أو السلف أو التاريخ أو . . ومحاولة للافتخار بنقد السلف وكأن نقد السلف والمشهور تحوّل لدى هذا البعض إلى علامة افتخار أو مؤشرٍ علمي للتطوّر والتخلّف ، إلى درجة أنه صار يشعر بعيب موافقة الماضين أو الشخصيات ، ويشعر أيضاً بذاته وكيانه ووجوده عندما ينقدهم أو يفنّد جهودهم ، كلًا أو جُلًا أو بعضاً .
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 159
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٥٩