سهّل كشف مثل هذه التصرفات لكثير من الناس ، من هنا تمسّ الحاجة إلى إشاعة ثقافة التوثيق ، سيما في المعاهد الدينية التي لم تعتد سابقاً - كالمناخ الفكري العام قديماً - على هذه الظاهرة ، فكلّما نقل الباحث شيئاً عن باحث آخر ، وكانت فكرة الثاني مستمدةً من الأول ، فمقتضى أخلاقية الأمانة العلمية توثيق المصدر بالدقة ؛ تحرزاً عن التورّط في منافيات أخلاقية .
والذي حصل في الوسط الثقافي العالم ثالثي في العقود الأخيرة هو استعارة مفاهيم ومقولات جرى إنتاجها وتصنيعها في مناخات ثقافية وعلمية أخرى ؛ ليعاد إنتاجها أو بتعبير أدق : تبيئتها في حقل معرفي أو ثقافي مختلف على أساس افتراضها إبداعات أو ابتكارات ذاتية ، دونما إشارة إلى المصادر التي استقي منها هذا النظم المفاهيمي ، وهو أمرٌ إذا دققنا فيه - وفي تجربة العالم الثالث - لوجدنا أحياناً ظلالًا اشتملت طيفاً وسيعاً أكثر من حقائق وواقعيات .
لكن ذلك لا يعني اتهام الكتّاب بعدم تقدير الملكيات الفكرية لمجرّد تشابه فكرتهم مع فكرة أخرى ؛ لأن تشابه الأفكار أمرٌ كثير الوقوع ، ومن سوء الظن التسرّع في الحكم في أمثال هذه الموارد .
ب - الدقة في نقل أفكار الآخرين ، تميّز بعض الفقهاء المسلمين بدقته العالية في ضبط الآراء والأقوال لدرجة أنهم كانوا يميزون الأقوال بعبارة دقيقة جداً ، فإذا أرادوا نقل كلام لفقيه يقول : « الأنسب كذا وكذا » ، لا يعبرون بكلمة « قوّاه » و . . بل يأخذون تعابير تطابق موقفه ودرجته كقولهم : استنسبه ، وهكذا يقولون : قوّاه إذا قال : على الأقوى ، واستجوده إذا قال : « الأجود كذا . . » و . . بل بلغت بهم الدقة أحياناً إلى حدّ تحديد المواضع التي اختار فيها هذا القول ، فلو كان له كلامان حول شرطية معلومية العوضين : أحدهما في كتاب البيع ، وثانيهما في كتاب الإجارة ، قالوا : ذهب إليه في إجارته ، ولم يقولوا مطلقاً أو سكتوا بما يوحي أن له موقفاً واحداً ، وهذا ما يفعلونه مع كتبه ، فيقولون : اختاره الطوسي في خلافه ، وعدل عنه في مبسوطه واقتصاده ، أو يعبّرون : ذهب
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 155
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٥٥