تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
كما هي الحال في كثيرٍ من فصول كتاب « منية المريد في آداب المفيد والمستفيد » للشهيد الثاني زين الدين العاملي الجبعي ( 965 ه - ) وغيره من الكتب ، لكن التأمل أكثر في هذا الجانب ، وما تساعد عليه منجزات العلوم الإنسانية الحديثة يفضي بنا إلى القول بأن أخلاقية الفرد الباحث لها آثار جدّية على بحثه وفكره وعلمه حتى لو لم يخاطب بهذا العلم أحداً ، وهو ما تعرّضت له أيضاً جملة من كتبنا الأخلاقية ، فعلى سبيل المثال الشخصية المنفعلة أو الانفعالية ، هذه الشخصية إذا دخلت في بحث علمي مثير لانفعالها ، غالباً ما تتحكّم بها انفعالاتها ، لتسير بها نحو طريق محدد ، فعندما يدخل المعتزلي المتّسم بشخصية من هذا القبيل بحثه حول خلق القرآن فإنه لن يقدر بسهولة على قمع ميوله الذاتية التي تجرفه نحو القول بحدوث القرآن . . لأنه دخل البحث في حالة غضب من الطرف الآخر ( الأشعري ) ، إن تحكّم حالة الغضب والانفعال هذه بشخصية باحثٍ ما له مردود سلبي للغاية ، وهو ما سنلاحظ بعض واقعه وبإيجاز ، إن شاء الله تعالى . وهذا يعني أن القيم الأخلاقية - وكما تشير إليه أيضاً نصوصنا الدينية - ليست معزولةً عن النشاط المعرفي من حيث هو نشاط معرفي ، وينجم عن ذلك القول بأن إصلاح مناهجنا المعرفية وأنماط تفكيرنا أمرٌ مرهون - إلى حدّ معين - بإصلاح أخلاقياتنا البحثية ، فما لم نسع لإصلاح تلك الأخلاقيات فإن إصلاح معرفياتنا سيكون أمراً مشوباً بشيء من الخطر . إن السلبيات الأخلاقية تمثل موانع أمام ترشيد نشاطنا الذهني سيما في الدائرة الدينية ، فما لم نحز - وهو أمرٌ ليس بهذه السهولة - على شخصية تتمتع بميزات أخلاقية تمسّ البحث العلمي ، فلن نقدر على تحصيل أكبر عدد من ضمانات الصحة والصواب في هذا البحث . ولا نقصد بالبحث العلمي خصوص تلك الحالة المعهودة لباحث ؛ ذلك أن كل إنسان مطّلع يمكن أن يتمثل شخصية باحث علمي ، فليس المقصود بالباحث المجتهد في العلوم الدينية أو أستاذ الجامعة أو المفكّر أو المنظّر أو . . فحسب ، بل
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 152 | حيدر حب الله