4 - ظاهرتا التسقيط والإلزام في الأمر والنهي ، ويمكن أن نمثل لها بمثال بات بارزاً اليوم ، وهو مسألة تقليد المرجع أو المفتي ، حيث نجد في سياق نشاطات بعض المبلّغين الدينيين إصراراً على إلزام الناس بمرجع معيّن يرونه الأجدر بهذا المنصب الديني والسعي لتسقيط الآخرين ورميهم والحطّ من قدرهم ومكانتهم الاجتماعية .
لسنا ضدّ نقد المرجعيات الدينية ، بل نحن نؤيد ذلك ضمن أخلاقيّات النقد وأصوله العلمية ، لكننا ضد التسقيط ، وضدّ الضغط على الناس في أمر تقليدها ، حتى نجد بعضهم لا يجيب السائلين عن رأي المرجع الفلاني لو سألوه بحجّة اختلافه معه في الفكر ، أو تجد بعض من لا يروّج للمرجع الفلاني محاصراً اجتماعياً وكأنه ملزم - بوصفه عالم دين - أن يروّج له خاصّة ، ونجد فريقاً ثالثاً حاضراً لكي يصف أيّ شخص بأنه مرجع ديني إلا من يختلف معه في الاجتهاد أو السياسة حيث لا يمنحه هذا اللقب . . إنّ هذه المسلكيات تجافي الشرع الحنيف والقيم الأخلاقية السامية ، فليس أحدٌ ملزماً بالترويج لأحد خاصّة إلا إذا اقتنع به ، لكنّ ترويجه أو عدم ترويجه لا ينبغي أن يكون أداةً لمحاربته وتسقيطه أو الحجر عليه .
5 - الأمر والنهي وأزمة المال ، وذلك أننا نجد العنصر المالي قد صار عنصراً فاعلًا في البعث والتحريك نحو التبليغ الديني ، فبعضهم يرفض أن يتولّى الإشراف والصلاة في مسجد لأنّ المقابل المالي لا يناسبه ، ولا يصعد المنبر الحسيني هنا أو هناك لأنّ القيمة المدفوعة لا تليق به ، وتبدأ أفكاره وخطاباته تتجه - من حيث شعر أم لم يشعر - لما فيه رضا أصحاب المال الذين قد يكونون من المؤمنين الصادقين وقد يكونون من النفعيين الوصوليين .
إنّ لهث الداعية خلف المال بالشكل الذي بتنا نجده اليوم مؤشرٌ خطر على سلامة المسيرة الدينية وحماية التجربة الإسلامية الناهضة ، حتى أنّ بعض السياسيين
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 592
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٩٢