ذات الجنة مطلوبة وذات النار مبغوضة وهكذا ، فكمّا صحّح الفقه الإسلامي « 1 » العبادات بداعي دخول الجنة والخلاص من النار ، أي فرق بينه وبين تصحيحها بداعي تحصيل الأجرة بالبيان المتقدّم ؟ ! « 2 » .
وقد يخضع هذا الجواب لمجموعة مناقشات أهمّها :
المناقشة الأولى : ما ذكره بعضهم من أنّ من يُقدم على الفعل العبادي هادفاً منه تحصيل المال من المستأجر لا يكون مخلصاً في عمله ؛ إذ الغرض النهائي والحقيقي له هو الحصول على المال ، وجعل ذلك مثل مسألة الجنّة والنار غير صحيح ؛ إذ فرقٌ بين من يصلّي لأخذ المال من زيد ، ومن يصلّي طمعاً في ثواب الله وفراراً من عقابه ، حيث إنّ الثاني منتهٍ إليه سبحانه بخلاف الأوّل « 3 » .
لكن هذه المناقشة بهذه الطريقة غير صحيحة ؛ فإنه حتى لو كان الغرض هو تحصيل المال إلا أنّ المفروض أنّ صاحب الجواب الثالث صحّح قصد القربة من العبادة وإن كان غرضه من وراء الجميع هو المال ، فكان يفترض صبّ الإشكال على أصل وجود قصد القربة لا على كون الداعي للقربة هو المال وأنه داعٍ نهائي ، فبهذه الطريقة لم يظهر وجه المنافاة مع العبادية إلا على مستوى الدعوى .
وأما ما ذكره من التمييز بين الجنة والنار وما نحن فيه ، فلم يقدّم شيئاً ؛ لأنّ المفروض أنّ الإنسان يأتي بالعمل بهدف الفرار من النار بذاتها ، واتصالها بالله
هامش
( 1 ) ذكر الشهيد الأول قطع الأصحاب ببطلان العبادة إذا أتي بها بداعي الثواب أو العقاب ، ولكنه غير مراد بهذا الإطلاق حتماً ، فانظر : القواعد والفوائد 1 : 77 .
( 2 ) انظر : الإصفهاني ، بحوث في الفقه ( الإجارة ) : 218 ، 224 ؛ ومصباح الفقاهة 1 : 710 - 712 ؛ ومستند العروة ( الإجارة ) : 380 - 381 ؛ وتفصيل الشريعة ( كتاب الإجارة ) : 516 - 518 ؛ وفضل الله ، فقه الإجارة : 330 - 331 ؛ والقديري ، الإجارة : 533 - 534 ؛ واليزدي ، حاشية المكاسب 1 : 24 ؛ ومباني منهاج الصالحين 7 : 275 - 276 .
( 3 ) بحر العلوم ، بلغة الفقيه 2 : 26 - 27 .