تحرّك عن أمر زيد ، ومعه فلا تتحقّق القربة بلحاظ زيد « 1 » .
وهذه المناقشة تعبيرٌ آخر عن المناقشة الثانية المتقدّمة ، لكنها تحاول إجلاء مواطن الغموض ، لكن يسجّل عليها أنه إذا كان قصد القربة بمعنى المحرك فإنّ المحرّك في الحقيقة هنا - وفقاً للمنهج الذي استخدمه الميرزا - ليس الأمر الإلهي في مسألة الجنّة والنار ، وإنما هو عبارة عن الغايات نفسها ؛ إذ حتى لو لم يأمره المولى أساساً وعلم أنّ الجنة تحتاج لمجموعة مقدّمات قام بها ، فالمحركية هنا من شؤون الغايات لا الأوامر ، إنما انبعث نحو الأمر لفرض أنّ الأمر كشف له عن سبيل تحصيل الغايات ، لا بداعي محرّكية الأمر ، فلا فرق من هذه الناحية بين الثواب والعقاب من جهة وبين تحصيل الأجرة من جهة ثانية .
والأمر أوضح في الآثار الدنيوية للعبادة كالرزق ، إذ أيّ فرقٍ بين قصد تحصيل هدية زيد بالتزام أمره وقصد تحصيل هدية عمرو بامتثال أمرِ زيد ، وصرف النِسَب والانتسابات لا يغيّر من واقع المحرّكية شيئاً ، بعد فرض أنّ قصد القربة بمعنى الانبعاث والتحرّك ، فما زال في هذه المناقشة غموض أيضاً .
المناقشة الرابعة : ما ذكره المحقّق البجنوردي ، من أنّ مقولة الداعي إلى الداعي لا تغيّر من واقع الأمر شيئاً ؛ لأنّ الداعي إلى الداعي يقع في سلسلة العلل الطولية للفعل فيكون مؤثراً في وجوده ولو بالواسطة ، إذ لو لم يكن كذلك لم يكن داعياً إلى داعيه الداعي إليه ، وهذا يعني أنّ الداعي إلى الداعي داعٍ للفعل نفسه ولو بالواسطة فيكون الفعل قد صدر عنه ولو بتوسّط داعي القربة ، فيختلّ شرط الإخلاص في العبادة « 2 » .
لكن أجيب عن هذه المناقشة بأنّ الداعي الأوّل لا يلغي وجود الداعي الثاني
هامش
( 1 ) منية الطالب 1 : 51 .
( 2 ) البجنوردي ، القواعد الفقهيّة 2 : 161 - 162 .