على المستوى الثاني لا الأول .
وعليه ، فالجواب الثاني عن إشكالية المنافاة بين العبادية والإجارية غير صحيح أيضاً .
الجواب الثالث : ما ذكره غير واحد من الفقهاء ، من أنّ الإجارة هنا تعلّقت بالأمر العبادي ، والأمر العبادي هو الذي يؤخذ فيه قصد القربة الذي يجعل الداعي إلى الفعل هو امتثال أمر الله ، وهذا معناه أنّ العبادة ما كان السبب في الانبعاث إليها هو امتثال الأمر الإلهي دون أن يشارك هذا السبب وهذا الداعي سببٌ آخر أو داعٍ آخر في عرضه ، فقصد القربة يمنع عن تشريك غير الله في العبادة .
وبناءً عليه ، لا مانع من تطبيق المقولة المشهورة في المقام ، وهي مقولة الداعي إلى الداعي بأن يخلق عقد الإجارة في نفس الأجير الداعي إلى قيامه بالعبادة ، وحيث إنّ متعلّق الإجارة عبارة عن الفعل مع قصد القربة ؛ لأنّ هذا هو الأمر العبادي ؛ فلابد أن الالتزام بالإجارة سوف يدعو الأجير لخلق داعي القربة في نفسه كي يقوم بالفعل ، بهدف تحقيق متعلّق الإجارة ، وبذلك تكون الإجارة داعياً إلى قصد القربة الداعي إلى ذات العمل ، إذ لو أتى بذات العمل لا يحقّق متعلّق الإجارة بعد فرض كونه عبادياً .
وهذا معنى ما يقال من أنّ قصد الأجرة وقصد القربة داعيان طوليان لا عرضيّان ، والدليل الدالّ على شرط الإخلاص في العبادة ينفي الداعي العرضي المغاير لقصد القربة ، لكنه لا ينفي الداعي الطولي ، ويشهد لذلك واقع الحال ، فإنه لا يكاد يخلو أحد - إلا النادر القليل - من مثل ذلك ؛ لأنّ أغلب الناس يندفعون للإطاعة والعبادة إما بغرض الخلاص من النار أو بدافع الفوز بالجنّة ، بل بعضهم يأتي بالعبادة حتى ينجّيه الله من مهلكة دنيوية أو يفتح له رزقاً في الدنيا ، والنار والجنة ( والرزق ) هنا لا يلحظان في العقود بوصفهما متصلين بالله بل بذاتهما ، أي
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 562
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٦٢