والذي يلاحظ من كلمات بعض الفقهاء المسلمين - بعد استبعاد مقولات الشهرة والإجماع ممّا لا حجيّة له في نفسه مع وضوح المدركيّة - أنّ الترتيب هو مقتضى الجمع والتوفيق بين دليل الأمر بالمعروف ودليل حرمة إيذاء المسلم ، فلو أمكن الأوّل بلا التورّط في الثاني تعيّن ؛ وفقاً للقواعد « 1 » ، مضافاً إلى الاستناد لمثل قوله في الطائفتين المؤمنتين المتقاتلتين :
( فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما )
( الحجرات : 9 ) « 2 » ، هذا كلّه إلى جانب ورود الترتيب في بعض الروايات بين القلب ، ثم اللسان ، ثم اليد ، كما تقدّم فيما سبق .
إلا أنه يمكن التعليق على هذا كلّه :
أولًا : إنّ آية البغي في سورة الحجرات لا علاقة لها ببحثنا هنا ، فهي خاصّة بمورد القتال والحرب والفتنة الداخلية بين المسلمين ، فأخذ ترتيبها بين الصلح ثم القتال ونقله إلى ما نحن فيه غير واضح ، وعلى أبعد تقدير لا يفيد إلا في الحالة التي قد تكون مشابهةً هنا ، وهي الجرح أو القتل ، لا سيما وأنّ صاحب هذا الدليل لا يؤمن بالجرح والقتل هنا .
ثانياً : إنّه يصعب الأخذ بالروايات التي رتّبت المراتب هنا ؛ إذ فضلًا عن ضعفها السندي كما تقدّم ، هناك تعارضٌ فيما بينها ، فبعضها قدّم القلب ثم اللسان ثم اليد ، مثل خبر ابن أبي ليلى ، وخبر أمير المؤمنين ( رقم 5 المتقدّم في مرتبة اليد بإحدى نسخ هذا الحديث ) ، وبعضها يظهر منه تقديم اللسان ثم القلب ثم اليد ، مثل الخبر المرويّ عن الإمام الصادق ( رقم 8 المتقدّم في مرتبة اليد ) ، وبعضها جعل اللسان
هامش
( 1 ) انظر : جواهر الكلام 21 : 378 ؛ وجامع المدارك 5 : 409 - 410 ؛ ومباني منهاج الصالحين 7 : 158 .
( 2 ) انظر : القاضي عبد الجبار المعتزلي ، شرح الأصول الخمسة : 90 ، 503 ؛ والمحقق النجفي ، جواهر الكلام 21 : 378 .