وإذا عطفنا نظرنا تلقاء واقعنا المعاصر ، سنجد بوضوح أنّ النشاط الدعوى والإصلاحي لم يعد يقف عند حدود العمليّة الفرديّة لشخص هنا وآخر هناك ، وأنّه لابدّ كي تترك هذه النشاطات أثراً أن تأخذ بأسباب الواقع القادرة على إيصال الصوت لأبعد نقطة ممكنة ، حيث التوزيع يملك قيمته المضاعفة كما إنتاج الأفكار والمفاهيم ، وهذا يعني أنّ توفير مقدّمات الوصول إلى جهد جماعي مؤثر من خلال مأسسة معقولة للنشاط الدعوى - لا تغرقه في الدوائر المكتبيّة أو الخضوع للمصالح السياسية ويتمكّن من خلالها من جمع الجهود والطاقات - يظل فرضاً لازماً حيث نجزم بالتأثير معه ، لهذا فالتنسيق بين العلماء والخطباء والكتّاب والباحثين والفقهاء والإعلاميين والمصلحين الاجتماعيين ونشطاء الإصلاح فرضٌ لازم قدر الإمكان ؛ لما يملكه ذلك من التأثير في إعداد المقدّمات السليمة لنشاط فاعل في المجتمع ، ويغدو الاشتغال على تكوين مؤسّسات إعلاميّة وتربوية واجتماعيّة وثقافية وغيرها مقدّمةً لازمة للنشاط الدعوى ، بل هي بنفسها نشاطٌ دعويّ عند ممارستها لمهامّها ، وهذا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكله الأفضل في عصرنا ، لا التكبّر على الناس وممارسة وصاية عليهم بطريقة لم تعد مؤثرة في أغلب شبابنا المعاصر .
وفي هذا السياق ، يبدو من الواضح أنه حيث كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفرائض وجب الأمر بهما والنهي عن تركهما ، فلو ترك من وجب عليه الأمر والنهي هذه الفريضة وتحقّقت تمام الشروط في حقّه مع عدم تعنونه بعنوان واقعي ثانوي . . وجب أمره بالأمر بالمعروف ونهيه عن ترك هذه الفريضة ، وحيث كان علماء الدين بحكم موقعهم ومكانتهم أصحاب دور فعّال في هذا المجال وجب أن يتواصوا دوماً بهذه الفريضة مهما اختلفوا في الطبقة والمستوى ، بل يجب على الناس دعوتهم لذلك لو رأوا منهم تقصيراً ، كما يجب عليهم دعوة الناس لذلك
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 521
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٢١