ومن أمثلة هذه النصوص أيضاً ، قوله تعالى :
( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ )
( آل عمران : 159 ) ، وما جاء في الحديث عن عمار بن أبي الأحوص عن أبي عبد الله عليه السلام - وهو حديث طويل في الرفق بالناس وأنهم على درجات وأسهم ، وجاء في آخره - : « . . . فلا تخرقوا بهم ، أما علمت أنّ إمارة بني أمية كانت بالسيف والعسف والجور ، وإنّ إمارتنا بالرفق والتألّف والوقار والتقية وحسن الخلطة والورع والاجتهاد ، فرغّبوا الناس في دينكم وفيما أنتم فيه » « 1 » .
غير أنّ الإشكاليّة التي قد تقف إزاء هذا الفهم هو أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يدّعى أنهما لا يتطابقان مع موضوع الدعوة تمام التطابق ؛ لأنّ ظاهر الآية القرآنية الكريمة هو دعوة الكافرين إلى الإسلام ، وهو أمر قد يختلف في ضوابطه وأنماطه عن نفس محاربة المنكر داخل المجتمع الإسلامي نفسه الذي هو المستفاد من النصوص المتقدّمة ، فهذه المغايرة قد تمنع من تحكيم هذا الفهم في المورد .
إلا إذا قيل : إنّ مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يخصّ الحياة الداخلية للمجتمع الإسلامي بحيث يصبح هذا المفهوم موافقاً لمفهوم الدعوة ، كيف وجملة من الآيات المتقدّمة في الفصل الأول تشمل الداخل والخارج ، فلا أقلّ من كون مثل هذه الآيات مع عدم إشارة القرآن إطلاقاً لموضوع اليد بمعنى العنف أو نحوه ، مما يوجب المزيد من الشك في وجود هذه المرتبة في الأمر بالمعروف ، وإن لم يستطع حسم الموقف ، لا سيما وفقاً لنظريّتنا في رفض فكرة الجهاد الدعوى الابتدائي ، على ما بحثناه مفصّلًا في محلّه « 2 » .
التنبيه الرابع : رغم كون الإمام الخميني من القائلين بمرتبة اليد ، ومع أنّه ذهب
هامش
( 1 ) الصدوق ، الخصال : 354 - 355 .
( 2 ) حيدر حب الله ، الجهاد الابتدائي الدعوى في الفقه الإسلامي ، قراءة استدلالية في مبادئ العلاقات الدولية ، مجلّة الاجتهاد والتجديد ، العدد : 8 - 12 .