ويحتمل أيضاً من اليد هنا حالة ممارسة السلطة فإن الشرطي أو موظف الدولة عندما يرى مخالفةً قانونية فهو يعاقب مباشرةً ولا يتدرّج في ممارسة أساليب النصح ونحوها ، لكن لا بمعنى الضرب والإتلاف والتصرف في الأموال وهدر الحقوق بل بمعنى تنفيذ العقوبات المقرّرة شرعاً وقانوناً من جانب السلطات الرسمية الشرعية والمعلن عنها في وسائل الإعلام الرسمية .
وهذا الاحتمال الأخير وإن كان معقولًا ، لكن مشكلته أنه لا ينسجم مع الإطلاق الموجود في الحديث « من رأى منكم منكراً » حيث لا يختصّ بمن انخرط في سلك وظائف الدولة أو مُنح مثل هذه الصلاحيات ، بل مرجع هذا التفسير إلى اشتراط إذن الحاكم والدولة في ممارسة مرتبة اليد وهو ما لا شاهد عليه في النصوص كما سيأتي إن شاء الله ، علماً أن الأمر بالتغيير غير مقيّد بوسيلة خاصّة ، فيمكن أن يشمل العنف الجسدي . ويحتمل أيضاً في تفسير « التغيير باليد » هنا ما ذكره بعض المعاصرين من التمييز بين مفهوم التغيير ومفهوم الإزالة ؛ فالحديث يحث على التغيير ويعني استبدال شيء بشيء لا على الإزالة التي تعني حذف شيء ولو مع عدم وضع البديل له ، ومعنى ذلك أن الحديث لا يريد كسر أواني الخمر وإنما يريد تقديم بدائل لشارب الخمر تدفعه للإقلاع عن شربه هذا ، الأمر الذي غاب عن الناشطين في مجال الأمر والنهي « 1 » .
وهذا الفهم للحديث رغم لطافته من الزاوية اللغوية يواجه مشكلةً ، وهي أنّ الإزالة شكلٌ من أشكال التغيير ؛ لأنها تحويل المنكر من حالة إلى حالة ، أي من حالة الوجود والتحقق إلى حالة العدم والفقدان ، وهذا ما يستوعبة مفهوم التغيير من الزاوية العربية والبلاغية .
وربما يفسّر تغيير المنكر باليد بأنه خاص ببعض الحالات ، كحالة رؤية اغتصاب
هامش
( 1 ) جمال البنّا ، تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تُلزم : 317 - 318 .