والحديثية في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ثالثاً : ما ذكره بعض الفقهاء المعاصرين من أنّ فرض شمول المطلقات والعمومات لمرتبة اليد بمعنى الضرب والجرح يفضي إلى التهافت في ألسنتها ، فإنّ الآية 103 - 104 من آل عمران المتقدّمة آنفاً تتحدّث عن الألفة والمودّة والمحبة ، فكيف يمكن لحكيم يذكر هذا السياق أن يفرض - لو فعل بعضهم معصيةً - أن يصل الحدّ في التعامل معه إلى الضرب والجرح والإهانة ، وهو ما يوجب سوء العلاقة وارتفاع المودّة ؟ !
وكذلك الحال في الآية 110 من آل عمران المتقدّمة الدالّة على أنّ أمة الإسلام كانت خير أمّة للآخرين ، فقد وقعت هذه الآية في نفس سياق الآيتين السابقتين . وكذا الحال في الآية 157 من سورة الأعراف المتقدّمة حيث فيها معاني الرحمة والتخفيف من الإصر والأغلال فكيف ينسجم هذا مع فرض المعروف بقوّة العنف ؟ ! بل وكذا الآية 71 المتقدّمة من سورة التوبة فإنّ الولاية نحو رعاية ورفقة ومحبة لا عنف وضرب وأذية وهكذا « 1 » .
لكن يمكن الجواب عن هذه المناقشة بأنها تصوّرت أن تمام مصاديق الأمر بالمعروف والنهي أو أغلبها هو العنف والقوّة ، مع أن العنف والقوّة يمثلان بعض المصاديق لا أكثر وقد تكون الأقلّ ، والعنف والقوة بعد إجراء تمام المراحل واستنفاد تمام الطرق الرحيمة لا يمثلان وجهاً بشعاً عندما يكون غرضهما تحقيق الخير الذي يرجع بالنفع على الجميع ، حتى على من استخدم في حقّه العنف ، فهذه الآيات على وزان قوله تعالى :
( وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ )
( الأنبياء : 107 ) ، فإنّ هذا العنوان لم يلغِ أحكام الجهاد والعقوبات الجزائية والجنائية وغير ذلك مما قد يظنّ أنه على خلاف الرحمة ، فهذه الرحمة تماماً كرحمة الطبيب الجراح بمريضه ، فلا
هامش
( 1 ) صانعي ، أمر به معروف ونهي از منكر : 17 - 25 .