العملية الدعوية ، وكأنّ الفقهاء انطبع في ذهنهم تصوّر ميداني واحد ، فقد تكون الابتسامة مع عتاب ، وقد يكون الإقبال على فاعل المنكر مع علمه بأنّنا غير راضين على فعله مؤثراً فيه ، كما لو تصرّف معنا تصرّفاً غير أخلاقي فبادلناه بتصرّف أخوي أو بوجه مبتسم فقد يكون ذلك مؤثراً فيه بحيث يقلع عن فعل ذلك مرةً أخرى وهكذا .
وهذا يعني أنّ القلب هي مرتبة لا يستخدم فيها الآمر الناهي عنفاً ولا قهراً ولا لساناً - بناءً على تفسير اليد بالعنف - وهذا لا يختصّ بالدفع والسلبيّة ، بل قد يكون بالإيجابية .
وربما من هذا الذي قلناه ، ذكر بعض الفقهاء أنّ الإعراض عن السلاطين لو كان مؤثراً وجب ، وقد يكون التواصل معهم مؤثراً فيجب ويلاحظ الواقع بجهاته وتراعى الأهمية « 1 » . ومعه فقد لا يصحّ كلام مايكل كوك على إطلاقه من أنّ مرتبة القلب تكمن فيها نزعة الموادعة لهذا لا نجد حضوراً لها عند المعتزلة بخلاف مفهوم بذل النفس الحاضر عندهم « 2 » ؛ وذلك أنّ مرتبة القلب مرحلةٌ منطقية إجمالًا في تدرّج الأمر والنهي ، ولا ضرورة لكي يحصر كوك نفسه ومعه الأمر والنهي بمجال الثورة ، فليفتح الموضوع على ما هو أوسع وسيجد أنّ مرتبة القلب لا تختزن موادعةً بالضرورة ، بل قد تكون بعض تطبيقاتها أشدّ من مرتبة اللسان ، كما سنرى عند الحديث عن قانون الأيسر ، إن شاء الله تعالى . وعدمُ ذكر المعتزلة لها ربما لعدم اعتقادهم بكونها مرتبةً مستقلّة عن اللسان كما رجّحناه نحن ، وهذا غير تركهم لها لأجل البُعد الثوري الموجود في الفكر الاعتزالي .
2 - انطلاقاً من النقطة الأولى ، قد يكون الإعراض عن فاعل المنكر موجباً من
هامش
( 1 ) تحرير الوسيلة 1 : 477 .
( 2 ) كوك ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي : 338 .