وهذا المعنى لمرتبة القلب يسلم من الإشكاليات التي واجهها المعنى السابق ؛ إذ العناوين العامة في باب الأمر والنهي تستوعب هذا المعنى ، كما أنّه يحقّقها عملياً .
إلا أنّ السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو : هل يوجد في الأدلّة والنصوص ما يفيد وجود مرتبة اسمها القلب ممتازة عن مرتبة اللسان أم أنّ مرتبة القلب واللسان مشمولتان للنصوص بدرجة واحدة ، غاية الأمر أنّ قانون الأيسر فالأيسر هو الذي يفرض أحياناً الشروع بمرتبة القلب ، كونها الأخفّ لتلحقها مرتبة اللسان ؟
هذه النقطة بالغة الأهمية من حيث فهم طبيعة التقسيم الثلاثي الموروث في الفقه الإسلامي ، فهل هذا التقسيم - بصرف النظر عن الترتيب بين الأقسام الثلاثة - منبعث من النصّ أم هو فهم بشري لظاهرة الرتبية وقانون الأيسر جعلهم يقسّمون المراتب إلى ثلاث ، وقد يقسّمها فقيهٌ آخر إلى أربع أو اثنتين وهكذا ؟
قد يقال بأن دليل النصّ قام على وجود مرتبة لها هويتها وعنوانها القائم بها وهي مرتبة القلب ، وهذه النصوص هي :
1 - خبر السكوني ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : « قال أمير المؤمنين عليه السلام : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرّة » « 1 » . ووردت في مصدر آخر بصيغة أخرى وهي : « أدنى الإنكار أن يلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهّرة » « 2 » . إذ ظاهرها التعبير عن مرتبة القلب بمعنى الإظهار ؛ لأنّ الوجوه المكفهرّة تعبّر عن هذا الأمر « 3 » .
والجواب أولًا : إنّ هذا الخبر ضعيف السند - على الأقلّ - بالنوفلي الذي لم تثبت
هامش
الصالحين 1 : 381 ، ومهذب الأحكام 15 : 224 ؛ وفضل الله ، فقه الشريعة 1 : 524 .
( 1 ) الكافي 5 : 58 - 59 .
( 2 ) تهذيب الأحكام 6 : 176 - 177 .
( 3 ) انظر : السبزواري ، كفاية الأحكام 1 : 405 - 406 ؛ والجزائري ، التحفة السنية : 202 ؛ وجامع المدارك 5 : 408 .