ولو أردنا تطبيق هذا الكلام ، لكان الكثير من العلماء الكبار مبتدعة ؛ لأنّه لا يكاد يخلو عالم منهم من الإتيان بفكرة أو نظرية ينسبها للدين ولم يقل بها أحدٌ قبله .
ثالثاً : إنّ هذا التفسير للبدعة يناقض نظريات العديد من كبار العلماء في أصول الفقه الإمامي ، وذلك أنّ بعض العلماء - مثل أنصار المدرسة الإخبارية العريقة - رفضوا بشكل قاطع حجية الإجماع ، واعتبروا الإجماع مقولةً سنيّة بامتياز ، ونجد أنّ مثل السيد الخوئي ( 1413 ه - ) يرفض الأغلبية الساحقة من الإجماعات ؛ إما لكونها منقولة ، أو لمدركيّتها أو احتمال مدركيتها . . وهذه كتبه الفقهية والأصولية - ككتب الإخباريين - تشهد على ما نقول .
إنّ مثل هؤلاء العلماء لا يرون دليلًا أو قيمة حاسمة لنظرية الإجماع أو الشهرة ؛ فالمفترض على نظرياتهم الأصولية أن لا يكون هناك أيّ معنى لهذا الكلام في تفسير البدعة ؛ لأنّ مجرّد الإجماع السابق لا يشكّل إلزاماً نهائياً عندهم في تبنّي رأي أو رفض آخر ، نعم قد يحتاطون في مقام الإفتاء ، وهذا أمرٌ آخر ، لا لقولهم بوجوب الاحتياط في الإفتاء حينئذٍ ، بل لدواعٍ أخر لسنا بصدد بحثها هنا .
ونحن هنا لا نجعل قول هؤلاء العلماء دليلًا ، وإنّما نأخذ بفكرتهم لمحاولة تحليل الموقف العام من هذا التفسير للكشف عن البدعة .
رابعاً : معنى هذا التفسير للبدعة هو تحريم الاجتهاد الإبداعي لصالح الاجتهاد الانتقائي الترجيحي ، أي أنّ المطلوب - فقط - من علماء اليوم أن يجتهدوا في إطار ترجيح رأي فقهي على آخر ، وكلا الرأيين موجود سابقاً ، لا أن يجتهدوا للإتيان برأي جديد ، أو مع جواز الإتيان برأي جديد .
ومعنى هذا الكلام هو تحويل باب الاجتهاد عند الشيعة إلى الاجتهاد السائد عند الكثير من أهل السنّة ، فإنّ ما يقوم به الاجتهاد السنّي بعد سدّ باب الاجتهاد عندهم هو - في الغالب - ممارسة تحليلية لترجيح رأي فقهي عند القدماء على رأي
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 421
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٢١