تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
لمجرّد أنّها خالفت السائد حتى اليوم ، ثم هل يجوز لنا بعد الاقتناع بأدلّته أن نترك هذه الأدلّة الموجودة - من وجهة نظرنا - في الكتاب والسنّة ونحن نراهما صادعَين بهذه الحقيقة وحجّتنا في الترك أنّ أحداً من العلماء لم يقل بذلك ؟ أليس هذا نقضاً لحديث الثقلين ؟ أليس هذا خرقاً لما دلّ على لزوم اتّباع الكتاب والسنّة ؟ فكيف إذاً نجعل المعيار الوحيد للكشف عن البدعة هو حداثة القول فيها ، وعدم وجود قائل بها من قبل ، دون أن نرجع إلى الأدلّة التي يسوقها صاحب الدليل ؟ ولو قدّم شخصٌ نظريةً وساق عليها عشرات الأدلّة وكان فقيهاً علامة دهره ، غاية الأمر لم يسبق أن طرحها أحدٌ قبله . . هل نتعامل معه بوصفه مبتدعاً وكلامه بدعة ؟ ! هذا كلّه يعني أنّ مجرّد عدم وجود قول سابق لا يعني - لوحده - صيرورة هذه الفكرة ابتداعاً ، بل يحتاج الأمر إلى عناصر أخرى . ثانياً : معنى هذا التفسير للبدعة أنّنا - أي كلّ المسلمين بمذاهبهم - نتّبع أهل البدع ، ذلك أنّه إذا ذهب الشيخ محمد بن الحسن الطوسي ( 460 ه - ) إلى نظرية أو فتوى ، وكان هو أوّل من قال بها ، ثم اتبعه بعده جماعة من العلماء . . هنا يصبح الأخذ بقوله مما لا مشكلة فيه ، بمعنى أنّه لو عاد أحد العلماء اليوم وطرح هذه المقولة التي أسّسها الشيخ الطوسي فلن يكون مبتدعاً ؛ لأنّه لن يكون أوّل من قال بها ، حسناً هذا جيد . لكن ألا يعني ذلك أنّ الشيخ الطوسي نفسه صار صاحب بدعة - والعياذ بالله - لو أردنا تطبيق المفاهيم عليه نفسه على أساس أنّه قال بهذا القول ولم يسبقه إليه أحد ؟ فنحن هنا نطبّق هذه الفرضية التفسيرية على الطوسي نفسه ، فكيف صار وجود رأي الشيخ الطوسي في التراث مشرعناً للنظرية مع أنّ المفروض أن يكون تفرّده بها في القرن الخامس الهجري دليلًا على كونها بدعة ؛ حيث لم يُسبق إليها ؟ وأيّ فرقٍ بين القرن الخامس والقرن الخامس عشر ؟