وفي رواية أخرى تقدّم لنا سبيلًا آخر لمواجهة البدع تقول - كما ينقله مرفوعاً محمد بن جمهور العمّي عن رسول الله صلى الله عليه وآله - : « إذا ظهرت البدع ( البدعة ) في أمتي ، فليظهر العالم علمه ، فمن ( فإن ) لم يفعل فعليه لعنة الله » « 1 » .
كانت هذه خلاصة أهم المجموعات الحديثية في هذا الإطار ؛ من مبدأ رفض الابتداع في الدين ، إلى مبدأ القطيعة مع أهل البدع ، وصولًا إلى مبدأ المواجهة الشاملة معهم .
ولا نريد هنا أن نخوض في تحليل أسانيد روايات البدعة في كتب الحديث ، فبعض هذه الروايات ضعيف السند ، مثل الخبر الأخير الذي نقلناه ، وذلك أنّ محمد بن جمهور العمي أرسل الخبر إلى رسول الله دون أن يبيّن لنا سنده إليه ، فيما رواية داوود بن سرحان صحيحة السند ، وإن كان هناك وقفات مع صحّة متنها عند بعضهم ، من حيث الترخيص في الإكثار من السبّ ، وفي تجويزها البهتان المخالف - على رأي هؤلاء - لقوله تعالى :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى . . . )
( المائدة : 8 ) ؛ فهذا الحديث يعدّ عند بعضهم معارضاً لمبدأ العدل مع الخصوم الوارد في الكتاب الكريم ، لأنّه يجيز البهتان والكذب عليهم وتقويلهم ما لم يقولوا ، مع أنّ هذا خلاف العدل معهم حتى لو كانوا خصماء لنا ، ومعارضة القرآن توجب طرح الحديث ولو كان صحيح السند .
وعلى أيّة حال ، لا نريد الخوض في هذا الأمر ، وإنّما نهدف تناول موضوع آخر يتصل بالعلاقة الملتبسة بين البدعة والاجتهاد ؛ لنعرف نطاق تطبيق الأمر والنهي ونميّزه عن دائرة تطبيق قوانين مواجهة البدعة ، فالإسلام أعطى حقّ الاجتهاد في قضايا الدين ، وحفظ المذهب الإمامي هذا الحقّ للعلماء ، ليس في الفقه فقط ، بل في
هامش
( 1 ) البرقي ، المحاسن 1 : 231 ؛ والكليني ، الكافي 1 : 54 .