بحثٍ عام وجدنا عندهم أدلّة روائية خاصّة في عدم لزوم الإخبار بالنجاسة أو ما شابهها .
والذي يظهر أنّ العلم والجهل لهما دور في توصيف الفعل بالمعروف والمنكر - بعد أن رجّحنا سابقاً أنّ المعروف هو فعل الخير والفعل الحسن وأنّ المنكر هو فعل الشر أو الفعل القبيح - وذلك في بعض الموارد ؛ فلو ضرب شخصٌ آخر بظنّ أنه ممن يستحقّ الضرب ، فإنّ فعله هذا منكر ، غايته لا يعاقب عليه ، فقد فعل أمراً قبيحاً لكنه لا يعاقب على هذا القبيح ، وهكذا لو لوّث البيئة وأضرّ بالحياة النباتية والحيوانية ، فإنّ هذا الفعل قبيح وضارّ لكنّه قد لا يعاقب عليه ، نظراً لجهله . أما لو لم يعلم بنجاسة ثوبه فصلّى ، فلا يقال - عرفاً - : إنه ترك المعروف ، بعد أن صلّى وعلمنا أنّ الله قبل صلاته ، وحسبها صلاةً عنده ؛ فهنا لا يقول العقلاء بأنه ترك المعروف .
فالإنصاف أنه يوجد تمييز عقلائي عرفي بين الموردين ، ولوضع قانون غالبي ، يمكن القول : إنّ ما يرجع إلى شؤون الناس وحقوقهم أو حقوق النفس التي يقبح التخلّي عنها يدخل ضمن دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أما ما يرجع إلى حقوق الله تعالى فإن كان المورد تركاً لأصل الحقّ فيدخل ، وإن كان المورد مما يعوّض الله عنه بحيث يُعلم أنه لو تركه أو لم يؤدّه على وجهه الواقعي الأولي أعطي بدله مكانه ، وكأنّه أتى به ، لم يجب الأمر والنهي . فما ذكره الفقهاء في موارد الإخبار بالنجاسة أو ما شابه مقبول لكنه لا ينتج قاعدةً عامة تتعدّى إطاره .
وبهذا الذي قلناه يظهر أنّ الذي أخرجوه بالاستثناء تحت عنوان « ما لا يرضى الشارع بتفويته أو وقوعه » ، ليس عنواناً مستقلًا ، وإنما هو مندرج ضمن العنوان الذي ذكرناه ، فتشمله أدلّة الأمر والنهي ؛ لأنّ هذه الأمور تظلّ معروفاً ومنكراً سواء علم بها الناس أو جهلوها حكماً أو موضوعاً .
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 406
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٠٦