في الحقيقة ، توجد هنا عدّة صور وحالات لابد من استعراضها لتفكيك المفاهيم وتجلية الأحكام وهي :
أ - أن يتحقّق أيّ نوعٍ من أنواع الجهل المتقدّم أو الغفلة ، لكن يكون المورد من الموارد التي نعلم بأنّ الشارع لا يرضى بوقوعها أو عدم وقوعها في تمام الحالات ، ومهما كانت المبرّرات ، كحفظ النفس المحترمة . . ففي هذه الحال يجب الأمر والنهي أو يجب الإرشاد ؛ لما لهذا العلم الخارجي من دور في تعميم الحكم ؛ فيكون الوجوب هنا حفاظاً على المصالح الواقعية التي لا يرضى الشارع بفواتها ، أو حذراً من المفاسد الواقعية التي لا يرضى الشارع أبداً بوقوعها ؛ فهذا هو المعيار في ثبوت الوجوب هنا ، سواء سمّيناه وجوب الأمر والنهي أم وجوب الإرشاد والتعليم .
وهذا الكلام صحيح ثبوتاً وهو واضح لا غبار عليه ، كما أنّ مقدّماته بطبعها تنتج نتيجته بلا حاجة إلى برهنة ، إنما الكلام في أنّه كيف نحدّد مصداق عنوان « ما لا يرضى الشارع بفواته أبداً » أو « ما لا يرضى الشارع بوقوعه أبداً » ؟ فإذا نصّ الشارع على ذلك ، فبها ، وإلا كيف نحرز ذلك ؟
هذا بحث كلّي يبحث في موضعه ، لكنّ بحثه في غاية الأهمية ، لا سيما وأننا نلاحظ على بعض الفقهاء بناء كلامه هنا على مرتكزات ذاتية دون تجليتها في سياق موضوعي مبرهن عليه .
وعلى أية حال ، فوجوب الأمر والإرشاد هنا طريقيٌّ لتحقيق الغرض النهائي حتى لو لم يقم أيّ دليل لفظي على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو وجوب إرشاد الضالّين وتعليم الجاهلين .
ب - أن لا يكون المورد من الموارد التي لا يرضى الشارع بفوات المصلحة فيها أبداً أو بوقوع المفسدة أبداً ، وهنا توجد حالات - بعد تجاوز فرضيّة أن يكون الجهل
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 403
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٠٣