فهذا يعني أنه يشكّ في أصل حرمة ما يفعله الغير أو وجوبه ، ومن ثم يشكّ في ثبوت وجوب الأمر والنهي في حقّه ؛ لأنّه من المحتمل عنده أنّ المأمور والمنهي فعل حراماً ويحتمل أنه لم يفعل حراماً ، ومعه لا يحرز موضوع الأمر والنهي حينئذٍ ؛ لعدم إحراز فعله المنكر حتى ننهاه عنه « 1 » .
وقد يناقش أولًا : إنه لا مجال لإجراء البراءة في الشبهة الحكمية ، بل قد ثبت بالدليل المعتبر وجوب التعلّم ، فلا براءة قبل التعلّم « 2 » .
لكن لم يظهر الوجه في هذه المناقشة ، فالمورد هنا ليس من الشبهة الحكمية ، بل هو شبهة موضوعية ؛ لأننا نشك في أنّ الذي صدر من زيد هل هو حرام أم لا ؟ أو أنّنا نشك في أنّ زيداً عاصٍ أم لا ؟ وهذه شبهات موضوعية ؛ لأنّ مركزها ما صدر من زيد وعصيان زيد ، وإن تعلّقت بها أحكام شرعية ، فهذا تماماً كإجراء استصحاب عدالة زيد عند فعله فعلًا أشكّ في كونه حراماً ، فما علاقة ذلك الشبهة الحكمية ؟ !
وأما ما ذكروه من عدم جريان البراءة إلا بعد الفحص والتعلّم ، فظاهره جريان البراءة عن نفس الفعل المشكوك الوجوب أو الحرمة ، لا عن فعلٍ آخر - وهو الأمر والنهي - يعلم حكمه ، لكن يشكّ في تحقق موضوعه في الخارج ، وهو عصيان المأمور والمنهي ، فكأنّه جرى تصوّر أننا نريد إجراء البراءة عن حرمة فعل المأمور ، والحال أننا نجري البراءة عن وجوب الأمر والنهي للشكّ في تحقّق موضوعه ، ويكون المرجع في الحقيقة أصالة عدم تحقّق موضوعه .
ثانياً : إنه يمكن تصوّر حالة العلم بلا حاجة إلى هذا الافتراض ، كما لو علم إجمالًا بصدور الحرام منه دون تعيينه ، فقد رآه يفعل فعلين ويعلم إجمالًا بحرمة
هامش
( 1 ) مباني منهاج الصالحين 7 : 146 .
( 2 ) المصدر نفسه .