له أن يصدق عليه عنوان من يقول شيئاً ويخالف فعلُه قولَه ، ويأمر بشيء ولا يفعله ، وأيّ مانع من الالتزام بهذا ، ففي كل موردٍ يجب عليه الأمر والنهي عليه أن يتحلّى بالعمل ، بمعنى أن لا يصدق عليه عنوان : الآمر بما لا يفعل ، فإنّ تلبّس الفرد بمثل هذا العنوان قبيح ، فيزيله بالفعل لا بترك القول ، وهذا مبدأ شرعي أخلاقي هام جداً ، نعم لو لم يجب عليه القول فعليه أن لا يقع منه القول حال عدم الفعل .
من هنا نعيب على بعض المشتغلين بشؤون الأمر والنهي كثرة نظرهم في عيوب الناس وغفلتهم عن عيوب أنفسهم ، حتى نجدهم في عيوب الناس أشدّاء فيما عيوبهم الشخصيّة وعيوب جماعتهم تظلّ تخضع لمنطق النسيان والتغافل والستر والسرّية والكتمان والإخفاء والمراوغة ، وهي علامة فارقة صارت تؤخذ على بعض هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وأمّا ما أشير له أخيراً من قضيّة أنّ الإقامة فرع الاستقامة فهو مجرّد استنساب واستحسان وإلا فالتجربة البشرية تثبت وجود الكثير من الناس الذين قد هدوا غيرهم وهم ضالّون منحرفون ، ومعه فلا حاجة إلى ما فعله النراقي من التمييز بين ما أسماه الحسبة القهرية وغيرها « 1 » .
وأمّا أنّ المحتسب يتسنّم مقام الولاية وهي مشروطةٌ بالعدالة ، فأوّل الكلام أن تكون تمام الولايات مشروطة بالعدالة ؛ إذ هذا يحتاج إلى دليل ، ومجرّد أنّ الولاية العامّة لإمام المسلمين مشروطة بالعدالة أو مقام الإفتاء والقضاء والشهادة كذلك ، لا يعني شرط كلّ ولاية - ولو محدودة - بالعدالة ، بحيث يكون كلّ المدراء في الدولة الإسلامية عدولًا ، لهذا فالأصحّ في ولاية المحتسب شرط العدالة على قانون التزاحم بين المصالح والمفاسد فقط ، لا مطلقاً ، وفاقاً لما ذهب إليه ابن تيمية الحراني .
والنتيجة ثبوت فريضة الأمر والنهي مطلقاً ، بلا اشتراط العدالة ولا ما هو مثلها ،
هامش
( 1 ) انظر : جامع السعادات 2 : 187 - 188 .