ثانياً : ما ذكره بعضهم من أنّه لو كان المراد من هذه الآيات والروايات هنا اشتراط العدالة ، لما صحّ الأمر والنهي ولا وجبت الحسبة على غير المعصوم ، بل لما جازت ، وفي هذا سدٌّ لباب الأمر والنهي وللحسبة ، وهو باطل جزماً « 1 » .
ويناقش : بأنّ غاية ما في الأمر اشتراط العدالة لا العصمة ؛ فكما شرطت العدالة في القاضي والحاكم والشاهد وإمام الجماعة ، أيّ مانعٍ من شرطها في الآمر والناهي ؟ ! وإذا لم ينسدّ عندهم باب الشهادة ولا باب إمامة الجماعة ولا باب القضاء ، فليكن باب الأمر والنهي على هذا الوزان أيضاً . هذا مضافاً إلى الملاحظة التي ذكرها السيد الجزائري ( 1180 ه - ) وهي :
ثالثاً : إنّ ظاهر الأدلّة ليس اشتراط العدالة ، وإنما أن يكون فاعلًا محقّقاً لنفس ذلك الفعل الذي يأمر به ، وتاركاً لعين ذلك الذي ينهى عنه ، فيجوز لمن يرتكب فعل الغيبة ويترك النميمة أن ينهى عن النميمة دون الغيبة ، وهذا لا يلزم منه تعطيل باب الأمر والنهي « 2 » .
وهذا النقد صحيح بعد مراجعة الآيات والروايات هنا ، فلم نعثر على آية أو رواية تشرط العدالة ، وإنما أخذ في ألسنتها أن يكون فاعلًا لما يأمر به تاركاً ما ينهى عنه .
رابعاً : ما ذكره السيد الخوانساري « 3 » ، من أننا نأخذ بظواهر هذه الأدلّة ، وذلك بجعل الشرط هنا شرطاً للواجب لا للوجوب ، فيكون مثل قوله : « لا صلاة إلا بطهور » ، بمعنى أنّ الواجب لا يكون إلا على طهور ، لا أنّ وجوب الصلاة يسقط
هامش
( 1 ) راجع : شرح ابن أبي الحديد 7 : 170 ؛ والتحفة السنية : 201 ؛ وفيض القدير 5 : 666 ؛ والبهائي ، الأربعون حديثاً : 218 ؛ وجامع السعادات 2 : 187 ؛ والبيانوني ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : 41 .
( 2 ) التحفة السنية : 201 .
( 3 ) جامع المدارك 5 : 407 .