يضاف إلى ذلك كلّه وجهٌ اعتباري ، وهو أنّ هداية الآخرين فرع اهتداء النفس ، والإقامة فرع الاستقامة « 1 » .
أمّا التفصيل المنسوب لبعض الآراء في الفقه السنّي بين المتطوّع والمحتسب ، فلعلّ الوجه فيه أنّ المحتسب له نحو ولاية ويشترط في صاحب الولاية في الشأن العام أن يكون عادلًا ، وإن كان ظاهر ابن الاخوة القرشي أنّ الحسبة لا يجري فيها مطلقاً حكم الولايات ، ولهذا أثبتها للعبد وعامّة الرعيّة « 2 » .
فبدلالة الكتاب والسنّة والاعتبار ، وذهاب جمع من العلماء إلى هذا القول ، يلتزم باشتراط العدالة في الآمر والناهي .
لكن الصحيح عدم اشتراط العدالة ، وذلك :
أولًا : إنّ الآيتين المذكورتين وإن كان ظاهرهما الأوّلي توجّه الذم والتوبيخ إلى الأمر والقول حيث لا عمل ، إلا أنّ المراد بهما بالتأكيد هو الذم على ترك العمل ، وإلا لحرم الأمر والقول إلا مع العمل ، ومعه فلن تكون العدالة شرطاً في وجوب الأمر والنهي ، بل شرط في جوازه أيضاً « 3 » ، ويدلّنا على ذلك أنه من البعيد أن تنزل لغة التقريع هذه متجاهلةً ترك العمل لتركّز كل اهتمامها على فعل القول حال ترك العمل ، فهل نفس الأمر والنهي مذموم في هذه الحال أم ترك الفعل هو المذموم ؟ فبضم هذا الفهم العقلائي يمكن الحصول على نكتة الذم في الآية ، فأنت تقول لزيد : أتأمر عمرواً بالصلاة وأنت لا تصلي ، فهذا وإن كان ظاهره الاستنكار على الأمر ، لكنّ العرف يفهم منه أنّ الاستنكار على التناقض الموجود بين القول والعمل ، وسبب هذا التناقض عندهم هو ترك العمل لا فعل القول .
هامش
( 1 ) انظر : جامع السعادات 2 : 187 ؛ وجامع المدارك 5 : 406 .
( 2 ) راجع : معالم القربة في أحكام الحسبة : 51 ، 52 .
( 3 ) راجع : الجزائري ، التحفة السنية : 201 .