القرينة العقلائية اللبية التي بيّناها أولًا بالمعنى والمدى الذي أوضحناه ، وأما الروايات فكلّها ضعيفة وعددها قليل يصعب معه تحصيل الوثوق بصدورها .
من هنا ، فالأصحّ القول بأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروط بمطلق احتمال التأثير وإمكانه على المستويين الفردي والاجتماعي معاً ، وعلى المستويين الآني والمستقبلي كذلك .
وبهذا يتبيّن أنه لا صحّة لما جاء في بعض الكلمات الفقهية « 1 » من أنه لو غلب على الظنّ عدم التأثير سقط الوجوب ، فإنّ غلبة الظن تجامع احتمال التأثير ، ولا يسقط الوجوب بذلك إلا إذا فسرّت الغلبة هنا بالاطمئنان الذي لا يحتفظ معه العقلاء بالاحتمال الطفيف المعاكس ، كما احتمله المحقّق النجفي « 2 » ، فالأدلّة المطلقة خرجنا عنها بالمقيّد اللبي المحرز ، ومعه نبقى معها في غيره .
ومن الواضح هنا أنّ شرط احتمال التأثير شرط وجوب وليس جواز ، فيظلّ الأمر والنهي جائزاً ، بل نسب القول بالاستحباب إلى بعضهم « 3 » .
وممّا ذكرنا ظهر أنّ شرط احتمال التأثير - بأي معنى فسّرناه وقبلناه - هو شرط للمراحل الثلاثة للأمر والنهي ، ولا تفصيل بين المراتب ، وقد ظهر ما يمكن أن يكون مستنداً لهذا التفصيل ، وأنّه غير قويّ . وسوف يأتي أنّ مرتبة القلب بمعنى الإنكار الباطني وإن كانت واجبةً ، إلا أنها ليست من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شيء بل هي واجبٌ مستقل ، وكلّ شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - غير الشروط العامّة للتكاليف - لا تشمل هذه المرتبة ، وليس فقط شرط
هامش
( 1 ) انظر : شرائع الإسلام 1 : 342 ؛ ومجمع الفائدة والبرهان 7 : 536 ؛ وجامع المقاصد 3 : 486 ؛ ومنتهى المطلب 2 : 993 .
( 2 ) انظر : جواهر الكلام 21 : 369 .
( 3 ) راجع : المصدر نفسه .