داعي بعد ذلك لإتعاب النفس بهذا الموضوع ، فيلتزم حينئذٍ بالنهي المطلق ، والمخاصمة أحد مصاديقه ، أو تحمل نصوص النهي المطلق على مورد المخاصمة ؛ وذلك بالقول : إنه يبدو أنّ هناك ظاهرة كانت موجودة عند بعض الشيعة آنذاك في تبنّي قضية نشر المذهب الشيعي بين الناس وجعلها من أولى الأولويات وتشدّدهم في ذلك حدّ ترتب بعض الآثار السلبية على هذه المبالغة ، فأرادت هذه الروايات أن توصل رسالةً إلى الشيعة مفادها التزام الهدوء في هذا الأمر ، وعدم المبالغة في هذه القضية بما يجرّ مفسدةً عليهم ، أو بما يفضي إلى المخاصمات المضرّة بوحدة المسلمين والتي تورث مرض القلوب ، فليس في الروايات نهياً عن مطلق دعوة الناس ، وإنما عن خصوص الدعوة المبالغ فيها والمتعنونة بمثل هذه العناوين .
فإذا قبل هذا التفسير الذي يحصر دائرة النصوص بحال التخاصم والتشدّد والمبالغة ، كان به ، وإلا التزم بالتفريق بين ثلاثة عناوين يبدو أنها متمايزة في لسان هذه النصوص ، وهي :
أ - عنوان الدعوة ، بمعنى أن يقوم الشيعة بحمل فكرة نشر التشيّع ثم يذهبون إلى الناس بالطريقة الممكنة ويدعونهم إلى هذا الأمر ويسعون لإقناعهم وجعلهم شيعة ؛ وهذا هو المنهيّ عنه .
2 - عنوان الاستجابة ؛ بمعنى أنّ الناس إذا جاؤوا يريدون معرفة التشيّع ويميلون إليه كان الشيعي مطالباً بالاستجابة لجذب هؤلاء إلى التشيّع ، وهذا ما يفهم من خبر أبي بصير ( الرواية السابعة ) ، ومن خبر حمران ( الرواية الثامنة ) على مستوى استئناس الخير .
3 - عنوان العرض ، بمعنى أن لا يدعوا أحداً ، بل يعرضوا مذهبهم فقط ، فمن شاء أن يهتدي فعلى الرحب والسعة ؛ ومن لم يشأ لا يذهبون وراءه ، وهذا المعنى يفهم من مثل خبر كليب بن معاوية الصيداوي ( الرواية الثالثة ) .
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 325
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٢٥