تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
استخدام عرفي عربي ، وسنشرح أيضاً أنّه لا توجد في الإسلام مرتبة اسمها مرتبة اليد أو العنف والقهر في الأمر والنهي ما لم يتمّ ترحيل هذه المرتبة إلى مفهوم ديني آخر ، وهو مفهوم الجهاد أو القصاص أو الحدود ، وهي مفاهيم تُفرَض فيها شروطٌ خاصّة ، ولا تستوعب مطلق حالات المعصيّة أو حتى الانحراف العقدي . من هنا ، لا نوافق على حصر الأمر والنهي بالدائرة العمليّة ، بل تتعدّى مهمّة المصلحين المجال العملي إلى المجال المفاهيمي ، أي إصلاح الوعي والمفاهيم والمقولات أيضاً ، وهذا ما نرى دلالاته في النص الديني أيضاً ؛ فظاهر إطلاقات وعمومات النصوص القرآنية والحديثية الواردة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنها تشمل كلّ خير وحقّ ومعروف ومنكر ، بالمعنى الذي ذكرناه آنفاً وفي البحث القرآني ، وهذا معناه أنه كما تجب دعوة المسلم أخاه المسلم للخير بعد اشتراكهما في العقيدة ، كذلك يجب على المسلمين دعوة غيرهم للعقيدة الإسلامية ؛ لأنّ الإيمان بالله وتوحيده من أعظم الخير وأكمل المعروف ، والشرك بالله أو التكذيب به أو إنكاره من أعظم المنكر ، وهذا معناه أنّ أدلّة الأمر والنهي بنفسها سوف تكون داعماً لسياسة الدعوة والتبشير في الإسلام ، فضلًا عن السيرة القطعية للأنبياء وللمسلمين في صدر الإسلام وللكثير من الروايات المرغبة في أسلمة الناس ودعوتهم إلى دين الحنيفية الحقّ ، فقوله تعالى :
( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ . . . )
( آل عمران : 110 ) ، كما يشمل أمر بعضكم بعضاً كذلك يستوعب أمركم لغيركم على المستوى العملي السلوكي أو على المستوى العقدي ، بلا فرق بين القول بأنّ الكفار مكلفون بالفروع أم لا ، فحتى لو ما كانوا مكلّفين بها تظلّ هذه الفروع معروفاً وخيراً ، وقد قلنا : إنّ هذين العنوانين لا يدخلان بالضرورة ضمن دائرة التقسيم الخماسي للتكاليف في الفقه الإسلامي .