تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
في حالات الاختلاف الاجتهادي كما سيأتي الحديث عنه لاحقاً بعون الله تعالى ، إلا أنّنا وجدنا المفكّر المعاصر حسن حنفي يميل إلى اعتبار الأمر والنهي من شؤون الأفعال وأنّهما لا يتجهان نحو الأفكار ، وهذا معناه أنّهما يخصّان الأمور العمليّة والشرعيّة دون النظريات ، مما يجعل الأمر والنهي مبدأ للحقوق المدنيّة متعلّقاً بالأفعال الظاهرة لا موجّهاً للفكر بحيث يحدّ من حريّته « 1 » . وما يبدو لي الدافعَ لحنفي لطرح مثل هذه المقولة هو الحفاظ على حريّة الفكر والاجتهاد في المسألة النظريّة ، ومن خلال تحليل كلامه يظهر أنّه قد أخذ من جهةٍ بفكرة أنّ الأمر والنهي في اللغة لابدّ أن يفهما في سياق جملتي : ( إفعل ) و ( لا تفعل ) ، ممّا يفرض تعلّقهما بالشأن العملي ، كما تصوّر - من جهةٍ أخرى - أنّ فتح المجال للأمر والنهي في الدائرة الفكريّة مع الاعتقاد بوجود مرتبة ثالثة في هذه الفريضة ، وهي مرتبة اليد والعنف والقهر وإعمال القوّة ، سيفضي إلى سلفية قاتلة وإلى قهر الحريات وقمع الرأي والتجريم عليه ، وكأنّه مسكون بهاجس التجربة التاريخية للمعتزلة الذين اعتبروا الاختلاف العقدي معهم دخولًا في المنكر العقائدي ، الأمر الذي دفعهم - كما قيل « 2 » - لاضطهاد خصومهم والتنكيل بمخالفيهم في الرأي ، وإن كان رأي القاضي عبد الجبار المعتزلي فيما بعد هو سدّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القضايا الخلافية التي للاجتهاد فيها مجال ، مع اعتقاده من حيث المبدأ أنّ الأمر والنهي يشملان الأفعال والقلوب والعقائد « 3 » . لكنّنا بيّنا سابقاً وسنبيّن إن شاء الله أنّ الأمر والنهي عنوانان لا يقفان عند حدود هاتين الصيغتين ، وأنّ التعبير عن العمل الدعوى والإصلاحي بالأمر والنهي
هامش
( 1 ) انظر : حسن حنفي ، من العقيدة إلى الثورة 5 : 256 - 257 . ( 2 ) انظر : زهدي جار الله ، المعتزلة : 60 - 61 ؛ وأحمد شوقي إبراهيم العمرجي ، المعتزلة في بغداد وأثرهم في الحياة الفكرية والسياسية : 45 . ( 3 ) راجع : شرح الأصول الخمسة : 93 ، 506 - 507 .